كتب: صهيب شمس
أكد السفير معتز أحمدين، المندوب الدائم الأسبق لمصر لدى الأمم المتحدة، أن إسرائيل كانت السبّاقة إلى ابتكار فكرة الميليشيات داخل الدول، معتبراً أن هذا الأسلوب شكّل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وإضعاف الدول الوطنية. وقال أحمدين، في لقاء مع الإعلامية كريمة عوض ببرنامج “حديث القاهرة” على شاشة “القاهرة والناس”، إن ما يُعرَف بـ”الشرق الأوسط الجديد” ليس رؤيا جديدة بل إعادة تقديم لمفهوم قديم يتم تداوله متى ما رُغِب في تحقيق أهداف أو مكاسب سياسية في الإقليم. وأضاف السفير أن الحروب المستمرة وحالة العداء الدائم التي تمارسها إسرائيل تجاه دول المنطقة تمثّل في الواقع الصورة الحقيقية لما يُطلقون عليه “الشرق الأوسط الجديد”، معتبراً أن هذا النهج يتجلّى في التفاخر بضرب احتمالات المواجهة على أكثر من جبهة في آن واحد.
ابتكار إسرائيل فكرة الميليشيات ودوافعها
ذكر السفير معتز أحمدين أن ابتكار إسرائيل فكرة الميليشيات داخل الدول كان له دافع استراتيجي محدد، إذ تحول هذا الأسلوب إلى وسيلة لزرع عناصر عدم الاستقرار وفكّ تماسك الدولة الوطنية. وأوضح أن الفكرة ليست مجرد تكتيك عابر، بل جزء من رؤية أشمل تسعى إلى إضعاف قدرات الدولة الرسمية عن طريق دعم أو تحريك كيانات مسلّحة غير نظامية أو ميليشيات في داخل البلدان، مما يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الحكم وخلق حالة من الانقسام السياسي والاجتماعي. وأشار أحمدين إلى أن هذه الخطوة تمثل محاولة لتقويض عناصر السيادة الوطنية عبر إدخال فاعلين مسلّحين يعملون خارج إطار القانون والمؤسسات الرسمية.
مقاربة “الشرق الأوسط الجديد” وامتدادها التاريخي
أكّد السفير أن مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” ليس مفهوماً حديثاً كما يُروّج له، بل يعود إلى سياقات تاريخية وسياسية كانت تُستعاد عند الحاجة لتحقيق مكاسب معينة. ورأى أن العودة إلى هذا المفهوم تصاحبها محاولات إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الإقليم، وتستخدم في بعض الأحيان كقناع لأهداف أكثر تحدّياً للدول الوطنية. وفي هذا السياق، ربط أحمدين بين نهج خلق الميليشيات ومخططات إعادة تشكيل واقع المنطقة، مؤكداً أن كلاهما يدخلان ضمن أدوات قد تُستخدم لتحقيق مصالح قوى إقليمية ودولية على حساب الاستقرار الوطني للدول المعنية.
آثار الحروب والعداء المستمر على مفهوم السلام
لفت أحمدين إلى أن الحروب المستمرة وسياسة العداء الدائم التي تمارسها إسرائيل ضد دول المنطقة تُظهر الوجه الحقيقي للممارسات التي تُروّج تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”. وأشار إلى أن الحديث عن سلام في ظل هذه المعطيات يصبح سلاماً مفروضاً بالقوة وبالإكراه، لا يقوم على أسس التوازن والعدالة. وأكد أن أي اتفاق سلام لا يرتكز إلى معايير عادلة ومتوازنة سيظل هشاً وعرضة للانفجار مجدداً، ما يعني أن حالة اللااستقرار ستستمر طالما استُخدمت وسائل القسر والإملاءات لفرض ترتيبات جديدة على شعوب المنطقة.
التفاخر بالعمل على عدة جبهات ونتائجه
نوّه السفير معتز أحمدين إلى أن هناك نوعاً من التفاخر الإسرائيلي بالقدرة على ضرب سبع جبهات في وقت واحد، وهو ما يعكس رغبة في إبراز القوة وقدرة النفوذ على مستوى المنطقة. وبيّن أن هذا التفاخر لا يخلو من دلالات خطيرة بالنسبة لبلدان الجوار، إذ إنه يعكس نهجاً عسكرياً وسياسياً يسعى إلى استغلال حالات الصراع الداخلي والإقليمي لصالح تحقيق أهداف استراتيجية. ومع ذلك، شدد أحمدين على أن مثل هذه الممارسات لا تولّد استقراراً حقيقياً، بل تزيد من توترات الصراعات وتساهم في استمرار حالة الانقسام والضعف المؤسسي داخل الدول.
ابتكار إسرائيل فكرة الميليشيات وتأثيره على استقرار الدول
أوضح أحمدين أن أثر ابتكار إسرائيل فكرة الميليشيات يمتد إلى إضعاف الأداء المؤسسي للدول الوطنية، حيث يؤدي وجود ميليشيات مدعومة أو مُستغلة إلى تقويض سلطة الدولة في فرض القانون وحماية المواطنين. وأشار إلى أن هذا المسار يخلق جوّاً من الفوضى المنظمة التي تُستغل لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد على حساب الأمن والاستقرار طويل المدى. كما سلط الضوء على أن الأضرار الناتجة عن هذه السياسة تتجاوز الجانب الأمني لتطال البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يجعل إعادة بناء الدولة أمراً أكثر صعوبة وتعقيداً بعد انقضاء فترات الصراع.
السلام بالقوة والإكراه ومآلاته
شدّد السفير أحمدين على أن الحديث عن السلام في ظل فرضيات القوة والإكراه لا يعدو كونه وهمًا مؤقتاً، لأن السلام الذي لا يستند إلى توازن حقيقي ومبادئ عدالة لن يستمر. وأكد أن أي توافق يتم تحت ضغط أو إملاء سينتهي إلى انفجار جديد للأزمات، لأن جذور المشكلة لم تُعالج بالشكل المطلوب، بل جُهضت حلولها عبر فرض تسويات لا تلبي مطالب العدالة والسلام المستدام. وأضاف أن الحلول الحقيقية تتطلب بنية تفاوضية عادلة تراعي مصالح الأطراف وتضمن عناصر استقرار حقيقي قابلة للقياس والمتابعة.
رفض شرق أوسط جديد بالإملاءات
ختم السفير حديثه بتأكيد قاطع على أنه لن يكون هناك شرق أوسط جديد يقوم على الإملاءات، لأن الاستقرار لا يمكن فرضه بالقوة. وبيّن أن أي محاولة لإعادة تشكيل واقع الإقليم عبر ضغوط أو أدوات تُفرض من الخارج ستفشل في إرساء استقرار دائم، لأن الاستقرار الحقيقي ينبع من توافق داخلي يسنده عدالة في التوزيع والتمثيل والحقوق. ودعا ضمنياً إلى مقاربات بعيدة عن إجبار الشعوب والدول على ترتيبات لا تعكس إرادتها، مؤكداً أن الاستقرار والسكينة لا يتحقّقان عبر فرض سياسات أو تبني أدوات كابتكار الميليشيات داخل الدول.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.














































































































