كتب: أحمد خالد
أعلنت حكومة أستراليا بشكل صريح أنها لن تمنح شركات التكنولوجيا حرية تعدين المحتوى لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بعد موجة انتقادات واسعة من المؤلفين وجماعات الفنون والإعلام. وأكدت المدعية العامة ميشيل رولاند أن مبدعي البلاد يستحقون الحماية القانونية، وأن الحكومة لن تقبل اقتراحاً كان قد طرحه مسبقاً مكتب لجنة الإنتاجية ويطالب باستثناء لقوانين حقوق النشر يسمح بعمليات تعدين المحتوى على نطاق واسع.
في تصريحات رسمية، قالت رولاند إن “المبدعين الأستراليين ليسوا فقط من الطراز العالمي، بل هم أيضاً شريان حياة الثقافة الأسترالية، ويجب أن نتأكد من وجود الحماية القانونية المناسبة”. وتأتي هذه التصريحات بعد أن أثار تقرير مؤقت للجنة الإنتاجية في أغسطس، يقترح فيه استثناءً من حقوق النشر لـتعدين المحتوى وتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، ردود فعل عنيفة من قطاعات متعددة في المشهد الثقافي والإعلامي.
خلفية الاقتراح وردود الفعل المبكرة
اقترح تقرير اللجنة المؤقت إعادة النظر في قيود الاستخدام النصي والبياني بهدف “استغلال البيانات والاقتصاد الرقمي”، ما فُهم على أنه يجرد حقوق النشر من بعض الحماية عبر منح تراخيص ضمنية لشركات التكنولوجيا لإجراء تعدين المحتوى لتسريع تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. قبل ذلك، دعا بعض ممثلي القطاع التكنولوجي لإصلاح القيود الحالية بحجة جذب استثمارات أجنبية ضخمة، كما قال سكوت فاركوهر، المؤسس المشارك لشركة أتلاسيان ورئيس مجلس Tech Council of Australia، في لقاء صحفي إن “إصلاح” القيود قد يفتح الباب أمام مليارات الدولارات من الاستثمار الأجنبي.
مع ذلك، لم تخلَ ردود الفعل من تحذيرات قوية من مجتمع المبدعين. ندد مغنون وكتاب وفنانون بالاقتراح، من بينهم المطرب الأول من السكان الأصليين آدم بريغز الذي حذر أمام لجنة برلمانية من أن السماح بالوصول إلى المحتوى المحلي بدون تعويض عادل قد يجعل من العسير “إعادة الجن إلى الزجاجة”. كما أعربت الكاتبة آنا فوندر عن قلقها من أن أضخم أنظمة الذكاء الاصطناعي تقوم على “الاستيلاء على نطاق واسع وغير المصرح به على كل كتاب وصورة وعرض متاح يمكن تحويله إلى صيغة رقمية”.
لم يتم التشاور مع المبدعين وفق تحقيقات البرلمان
في جلسة استماع برلمانية لاحقة، اعترف مكتب لجنة الإنتاجية بأنه لم يستشر المبدعين ولا أجرى نمذجة كافية لتأثير التوصية قبل نشر التقرير، ما دفع بعض النواب إلى وصف التقييم بأنه يسيء فهم قيمة الصناعة الإبداعية. وأشارت السيناتورة الخضراء سارة هانسون-يونغ إلى أن الهيئة الحكومية قد “سقطت في خطأ تقدير قيمة صناعة الإبداع”.
انتقد الاتحاد الأسترالي لنقابات العمال الاقتراح أيضاً محذراً من أنه سيفتح الباب أمام “سرقة متفشية” للأعمال الإبداعية، في تذكير بالدور الذي تؤديه قوانين حقوق النشر في حماية الدخل والملكية الفكرية للعاملين في القطاعات الإبداعية.
رفض استثناء “النص والتعدين” وتأكيد على حماية حقوق النشر
على الرغم من أن بعض الوزراء قد خففوا من توقعات منح استثناء “النص والتعدين”، فإن بيان رولاند يمثل أول تأكيد صريح وواضح على رفض الفكرة. وشددت رولاند على أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة لأستراليا ولنموها الاقتصادي، لكنها أضافت أن “من المهم أن يستفيد المبدعون الأستراليون من هذه الفرص أيضاً”.
كما أعلنت المدعية العامة أنها ستدعو مجموعة مرجعية حكومية مخصصة لحقوق النشر والذكاء الاصطناعي للاجتماع يومي الاثنين والثلاثاء لبحث خيارات بديلة لمواجهة تحديات التكنولوجيا المتطورة، منها مدى جدوى إنشاء إطار ترخيص مدفوع بموجب قانون حقوق النشر بدلاً من النظام الطوعي القائم حالياً.
مطالب بتوسيع قواعد الترخيص وعدم السماح بتعدين المحتوى دون تعويض
رحب اتحاد صناعة التسجيلات الأسترالي (ARIA) بخطوة الحكومة، واصفاً إياها بأنها “خطوة حاسمة في الاتجاه الصحيح”. وقالت المديرة التنفيذية آنابيل هيرد إن القرار يمثل انتصاراً للابداع والثقافة الأسترالية، بما في ذلك الثقافة الأولى للأمة، ورأت أن هياكل الترخيص الحالية تعمل بشكل جيد. وأكدت هيرد أن الشركات التكنولوجية نفسها تعتمد على قوانين الملكية الفكرية لحماية منتجاتها وتسييلها، ما يدفعها للمطالبة بتطبيق قواعد الترخيص على تقنيات الذكاء الاصطناعي لحماية حق الفنانين في تحديد كيفية استخدام أعمالهم والمشاركة في القيمة التي تولدها.
بدورها، قالت متحدثة باسم صحيفة الغارديان أستراليا إن الخطوة تشكل “خطوة إيجابية نحو الاعتراف بأن المحتوى المحمي بحقوق النشر الأسترالي يستحق الحماية والدفع”. وأكدت الغارديان رغبتها في رؤية نظام ترخيص عادل يوفر تبادلاً حقيقياً في القيمة بين المبدعين ومن يستخدم أعمالهم.
المشهد الإعلامي يدعم القرار ويطالب بنظام ترخيص عادل
أشاد مايكل ميلر، رئيس مجلس نيوز كور استراليا ونيوزيلندا، بقرار الحكومة واعتبره القرار “الصحيح” لتعزيز حق المبدع في التحكم في الوصول وشروط الاستخدام والدفع. وأكد ميلر أن الحفاظ على سيطرة المبدعين على أعمالهم يساعد على تحقيق نتائج سوقية فعالة عبر قانون حقوق النشر.
كما لفت ممثلو وسائل إعلام ونشر إلى أن استثناء تعدين المحتوى كان سيعطي إشارة خضراء لـ”سرقة على نطاق واسع” لعمل الصحفيين والمبدعين الأستراليين، بما يتعارض مع المصالح الوطنية. وطالبوا بوضع إطار تراخيص عادل يضمن قيمة حقيقية للمحتوى المستخدم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
الخطوات القادمة: مرجعية حكومية وخيارات تشريعية
مع إعلان المدعية العامة عن عقد مجموعة مرجعية لبحث القضايا المتعلقة بحقوق النشر والذكاء الاصطناعي، يبدو أن الحكومة تسعى إلى حلول متوازنة تضمن استفادة الاقتصاد من تقنيات الذكاء الاصطناعي مع حماية حقوق المبدعين. من بين الخيارات المطروحة مناقشة إنشاء إطار ترخيص مدفوع ضمن قانون حقوق النشر ليحل محل النظام الطوعي الحالي، لكن هذه المسارات ستخضع لنقاشات أوسع داخل المجموعة المرجعية وللجهات المتضررة نفسها من مؤلفين وقطاع تسجيلات وصحفيين وناشرين.
يبقى أن قرار منع تعدين المحتوى لتدريب النماذج يشكل إشارة واضحة إلى أن أستراليا ليست مستعدة للتخلي عن قواعد حقوق النشر التقليدية على حساب المبدعين، وأن أي تحول في السياسة سيحتاج إلى توافق بين مصالح الابتكار وحماية الملكية الفكرية.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.















































































































