كتب: سيد محمد
في صرح المتحف المصري الكبير، حيث يلتقي وهج الحضارة بأنفاس الحاضر، عاش المهندس شريف عيد عشر سنوات كاملة من عمره، بدءاً من عام 2013 وحتى عام 2023. ليست هذه السنوات مجرد مسار وظيفي، بل هي شهادة حيّة على ما يمكن أن تثمره العزيمة والالتزام في بناء صرح وطني يروي قصة مصر بالحجارة والنور. هذه الرحلة، التي يمكن وصفها بـرحلة مهندس في المتحف المصري الكبير، لم تكن مجرد واجبات تقنية بل مغامرة فكرية وروحية عميقة. عندما يسترجع شريف بداياته، يذكّر بأن أول يوم دخل فيه الموقع كان كإحساس بانتماء لجسد واحد يقدّم لمصر عملاً يحفر اسمه في تاريخها. من أول يوم دخلت فيه المتحف، حسيت إني جزء من كيان كبير، كل حجر بيتحط، وكل تفصيلة بتترسم. كانت تلك الكلمات تعبيراً صادقاً عن رسالة حبّ وولاء لمصر، البلد التي تثبت دوماً قدرتها على صنع المستحيل.
رحلة مهندس في المتحف المصري الكبير
يروي شريف عيد كيف تحوّلت سنوات العمل إلى فصل طويل من الالتزام والمسؤولية والصبر. فالعمل في موقع بحجم المتحف المصري الكبير لم يكن مجرد تنفيذ عمليات هندسية فحسب، بل كان مشروعاً وطنياً يضع على عاتق القائمين عليه مهمة حفظ تاريخ أمة وتقديمه إلى الأجيال المقبلة. وسط مئات الأيادي التي ساهمت في إتمام الحلم، كان شريف يعمل بجانب فريق من أفضل المهندسين والفنيين، يؤدي مهام الصحة والسلامة المهنية مع حرص شديد على دقة التفاصيل. يقول في حديثه مع وسائل الإعلام: كنا بنشتغل وإحنا عارفين إن كل مجهود صغير هو لبنة في جدار هيعيش آلاف السنين، كنا بنحلم نسيب حاجة تليق بتاريخ بلدنا، وتحكي للأجيال اللي جاية عن المصري اللي لما بيحط قلبه في شغله.. بيصنع معجزة. هذه الروح التي سادت في كل زاوية من ساحات المتحف هي ما جعلت من العمل قيمة تتجاوز المادة.
التحديات اليومية والدقة التي لا تقبل التهاون
لا يخفى على أحد أن موقعاً بحجم المتحف المصري الكبير يفرض معدلات عالية من التحدي، فالمسؤولية هنا ليست مجرد إدارة مشروع، بل سلامة آلاف العاملين ومرافقة أعمق معايير الوقاية والتشغيل. في هذه البيئة، كان الضغط الزمني دافعاً لإتقان التفاصيل وتنسيق الأعمال بين فرق متعددة الاختصاصات، والعمل المتوازي بين الهندسة والإنشاءات والميكانيك والكهرباء. يقول شريف: كانت التحديات اليومية اختبارات صبر وإصرار، لكن الإيمان بالهدف كان أقوى من كل صعوبة. لقد تعلم أن الحفاظ على سلامة الأفراد، وجعل كل تفصيلة آمنة ومستدامة، يفرض نهجاً حازماً وروحاً تعاونياً تسمح بتحويل الحلم إلى واقع عنوانه القوة والإتقان. بهذه الكلمات يتحول العمل إلى رسالة تتجاوز العطاء الشخصي لتصبح لبنة حقيقية في إرث يشهد له التاريخ.
ساحة تعاون كبيرة وروح وطنية حاضرة في كل حجر
كان شريف في قلب شبكة ضخمة من المهندسين والفنيين، يعملون كخلية واحدة تتناغم معاً لتجسيد مشروع يراكم المئات من التفاصيل الدقيقة، وينفتح ك(+إلى+) جدار من الحجارة والنور على حضارة عريقة. في هذا السياق، كان لا بد من حضور قيمة العمل الجماعي؛ فالمتحف المصري الكبير ليس مبنىً فحسب، بل كائن حي يطلب من الجميع أن يتواجـدوا فيه كفريق واحد. وفي أجواء تفيض بالتحديات والالتزامات، كانت كل زاوية من زوايا المكان تحمل ذكرى من وضعها، وكل حجر يهمس باسم من وضعه، وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى أن يكون ليس مجرد موقع عمل، بل كياناً ينبض بروح مشتركة تفخر بها مصر.
المتحف ككائن حي يحكي قصة بلد يحلم بها الجميع
مع مرور السنوات، لم يعد المتحف المصري الكبير مجرد موقع عمل. فوسط آلاف التفاصيل التي تمّ بناؤها بدقة متناهية، تحول إلى كائن حي يركض ببطء في ساعات الليل ويهتز بالحياة خلال اليوم، حيث تلتقط الحجارة والنور قصة بلد يحلم بمستقبل يوازي مجده. في هذا الإطار، كانت كل زاوية تحمل رسالة تذكِّر بأن ما كان ينسى في السابق يصير اليوم شهادة على الإنتاج والتراكم المعرفي والمهني. يذكِّر شريف بأن التعلم المستمر والتطوير المهني كانا جزءين لا يتجزآن من مسارهم، مؤكدين أن العمل المهني في مشاريع وطنية كبرى يحتاج إلى درجة عالية من الانسجام بين العطاء والإدراك لمسؤولية الحفاظ على معالم تاريخية حية.
بعد الرحلة: أثر الحلم والبقاء حاضراً في الذاكرة
عندما حلت نهاية الرحلة في عام 2023، لم يغادر شريف المتحف كما يغادر عامل موقع عمله عادةً، بل بقي جزء من وجوده في هذا الصرح العملاق، بين الأعمدة والممرات وفي كل تفصيلة تحمل بصمته. لقد اكتسب طيلة سنواته في المتحف إدراكاً عميقاً بأن التعب كان يستاهل، وأن المجهود كان له معنى. وهو يختتم حديثه بهذه العبارة التي تكرّس المعنى العميق لعمله: الشرف الحقيقي إنك تكون جزء من إنجاز يخلّد اسمك وسط تاريخ بلدك. هذه النهاية ليست مجرد خاتمة لمسار شخصي، بل شهادة على أن العمل الدؤوب والالتزام لأجل وطن يملك حضارة عريقة يمكنه أن يحفر اسمه في قلب التاريخ إلى الأبد.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.























