كتب: أحمد خالد
على ضفاف النيل في القاهرة، تَمثّلت أمسية تجمع بين عمق التاريخ وروعة الدبلوماسية في حدث يرسّخ أحد أبرز مسارات التعاون بين مصر وتركيا. وقف السفير التركي في القاهرة صالح موطلوشن ليعلن من قلب العاصمة المصرية بداية فصل جديد في سفر العلاقات بين البلدين. وفي احتفال يحضر فيه ذكرى مهمة، أكّد أن هذا العام يحمل رمزية استثنائية، فاحتفال ذكرى جمهوريّة تركيا الـ102 ليس مناسبة عابرة، بل مناسبة تستعيد صدى علاقة تاريخية امتدت منذ عام 1925 وتؤكّد أن ما بنته بلدانا من صداقة وتعاون ثابت ليس وليد صدفة. هذه الرسالة نُقلت في مناسبة تجاوز الاحتفال التقليدي لتؤكد عمق الروابط التي تشابكت عبر قرن من الزمان.
ذكرى جمهوريتها كجسر يربط الشعبين
في خطابه، أشار السفير إلى أن الرحلة المُشتركة بين القاهرة وأنقرة تشهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وأنها لم تقع بالصدفة بل هي ثمرة جهود دؤوبة وإرادة سياسية راسخة من الطرفين. كما لفت إلى أن الاحتفال هذا العام يطرح نمطاً جديداً من التعاون يهدف إلى توسيع نطاق الشراكة لتشمل مجالات جديدة، مع التأكيد أن ذكرى جمهوريتها تُعدّ جسر توقفه الدبلوماسية فقط لتواصلها الشعوب عبر الثقافة والعلوم والتبادل الاقتصادي. كما أشار إلى أن العلاقات قطعاً ليست مسألة سياسية فحسب، بل هي جسر يربط بين شعوب تقاسم قِيماً مشتركة وتطلعات نحو مستقبل أكثر استقراً وازدهاراً.
تطور العلاقات والدبلوماسية في إطار قيادتين متقاربتين
وأوضح السفير أن التطور الذي تشهده العلاقات بين البلدين يأتي في ظل قيادة الرئيسين عبد الفتاح السي ورجب طيب أردوغان، وهو تقدم ليس وليد لحظة عابرة، بل نتيجة إرادة سياسية راسخة وجهود مشتركة تقودها أنشطة دبلوماسية واقتصادية وثقافية. وأكد أن هناك منهاج عمل واضح يسعى إلى تعزيز التعاون في ميادين متعدة، مع الإبقاء على الأبعاد الإنسانية وقضايا الشرق الأوسط في صلب هذا المسعى. وفي هذه الرؤية، تُوصف العلاقة بأنها “شراكة استراتيجية شاملة” لا تستهدف المصالح الآنية فحسب، بل تعبّر عن رغبة مشتركة في بناء إطار تعاون مؤسي واقتصادي وثقافي مستدام.
قمة المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى في القاهرة عام 2026
كشفت تصريحات السفير عن محطة مهمة في مسيرة التعاون الثنائي، وهي عقد قمة مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المرتقبة مطلع عام 2026 في القاهرة. هذه القمة تعكس إطاراً مؤسياً يفتح نافذة لمرحلة مستقبلية أكثر عمقاً واتساعاً، وتؤكد التزام البلدين بتعزيز آليات الحوار وتطوير آليات التعاون في مجالات استراتيجية تشمل الاقتصاد والطاقة والتجارة والاستثمار. وفي قراءة أخرى، تشكّل هذه القمة منبراً لتحديد أولويات مشتركة ورسم مسارات تنفيذية ترجم التفاهم السياسي إلى خطوات ملموسة على الصعيد الاقتصادي والثقافي.
أفق السلام في الشرق الأوسط والدور الإنساني بين مصر وتركيا
لم يغفل السفير الجانب الإنساني والقضية الفلسطينية عن صميم كلمته. جدّد التأكيد على موقف بلاده الداعم لسلام في الشرق الأوسط، مُشِدّاً على أن تركيا ومصر يعملان يداً بيد من أجل إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. كما أعلن أن بلاده ستشارك بقوة في مؤتمر إعادة إعمار غزة المترقب عقده في القاهرة قريباً، وهو ما يعكس الدور الإقليمي الفاعل والمتعد الأوجه لبلدين في مسار التخفيف من آثار النزاع وتقديم الدعم الإنساني والاقتصادي لإعادة البناء والتنمية.
الجسور الثقافية كتعبير عن الروابط الإنسانية
إلى جانب أبعاد السياسة والاقتصاد، أضاء السفير الجانب الثقافي كجسر مستدام يربط الشعبين. فقد أعلن عن سلة فعاليات ثقافية وفنية مبهرة ضمن احتفالات المئوية التركية، تشمل عرض أزياء تركي، وحفلات موسيقية تقام في دار الأوبرا المصرية، ومعارض لخط العربي والكاريكاتير. تهدف هذه الفعاليات إلى تعزيز التبادل الثقافي وتوثيق الروابط الإنسانية التي تجمع بين الشعبين، وتقديم صورة حية عن عمق الحضارة التركية وثرائها الفني، إلى جانب إمكانية تبني موروث مصر العريق كعنصر تلاقي وتفاعل.
التعاون الاقتصادي والتنموي في سنوات قادمة
تجسد الرؤية الإيجابية في إطار خطة طموحة، تشهد هذا العام تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار. هذه الرؤية ليست مجرد طموح إعلامي بل مسار عملي يبدأ عبر مشاريع وتفاهمات ترجمها زيارات ومبادرات مشتركة وتبادل خبرات. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العلاقة الاقتصادية كدعامة أساسية لإرساء نموذج تعاون أقوى يفتح مسارات استثمارية وتبادل مشاريع ذات أثر ملموس في شعبي البلدين. وتبقى الأهداف المشتركة هي الأمن الاقتصادي والاستقرار الإقليمي ونمو تبادلات تجارية أكثر سلاسة.
التبادل التعليمي والبحثي والسياحة كعصب لشراكة
أما في مجال التعليم والبحث العلمي، فهناك إشارات إلى إطلاق برامج تبادل طلابي وبحثي بين الجامعات التركية والمصرية، وهو ما يعكس أولوية تعزيز المعرفة وتبادل الخبرات بين جيلين يخطان لمستقبل مشترك. وفيما يخص السياحة، أخذت العلاقات شكلاً حيّاً من الحركة المتبادلة، حيث تستقبل تركيا أعداً متزايدة من السياح المصرين، في حين تستقبل مصر أعداً كبيرة من السياح الأتراك، وهو أمر يعز الفهم المتبادل ويعمّق الارتباط بين المجتمعين من خلال الزيارات والتعرّف على التراث والثقافة.
إرادة سياسية وعي بالمرحلة الراهنة
ربط السفير بين هذه المحاور وبين إرادة سياسية راسخة وعي بمتطلبات المرحلة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والعالم. فالعلاقات بين القاهرة وأنقرة، كما أوضح، تسير بخطوات ثابتة نحو شراكة استراتيجية شاملة تخدم مصالح الشعبين وتُسهم في استقرار المنطقة وازدهارها. وتظل هذه الشراكة نموذجاً لعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والعمل المشترك من أجل التقدم المستمر.
ختام يعبّر عن أمل مشترك في المستقبل (من دون خاتمة منفصلة)
اختم السفير كلمته بعبارات خلدت صداقة البلدين، رافعاً تحيته بقوة: “تحيا تركيا، تحيا مصر، تحيا فلسطين”، في نهاية أمسية دبلوماسية جمعت بين الاحتفاء بالماضي وبناء مستقبل واعد لشراكة الاستراتيجية بين بلدين شقين. هذا الختام لم يكن مجرد إغلاق لحديث، بل إعلاناً عملياً عن بداية مرحلة جديدة من التعاون الوثيق الذي يضع مصالح الشعوب في صلب العلاقات ويجعل من الاستقرار والازدهار هدفاً مشتركاً يسعى البلدان إلى تحقيقه على المدى المنظور.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.























