كتب: صهيب شمس
انطلق افتاح المتحف المصري الكبير كأحد أبرز الأحداث الثقافية في تاريخ مصر الحديث، فهو ليس مجرد صرح عميق في مشهد الحضارة، بل رسالة ثقافية تحمل العالم إلى قلب الحضارة المصرية وتؤكد أن مصر ما زالت مهد الحضارة ومنارة لفن والمعرفة. يقع هذا الكيان الافت عند أقدام أهرامات الجيزة، ويتصدر العناوين محلياً وعالمياً كحدث غير عادي يربط بين الماضي العريق والحاضر الحيوي. في هذا المشهد البهي، تألقت شركة من نوع خاص: قيادة موسيقية عربية مصرية تبوأت مكانها بنجاح فريد، وضعتها في مصاف الرواد. إن هذه القيادة تَمثُل في المايسترو إيمان الجنيدي، التي تحمست الجماهير لسماع صوتها وهي تقود أوركسترا يتجاوز التوقعات، وتكتب اسمها بحروف من ذهب في سجل الموسيقى العربية.
إيمان الجنيدي: قيادة تاريخية أمام العالم
تُعد إيمان الجنيدي أول مايسترو صعيدية تصل إلى مستوى القيادة في مصر والبلدان العربية؛ وهي بدأت مسيرتها الفنية في عام 205 حين تولّت قيادة الفرقة القومية لموسيقى العربية في بني سويف، وهو ما شكّل كسرًا لنمط التقليدي الذي يربط قيادة الفرق الموسيقية غالباً بالرجال. من هنا تصبح قصتها نموذجاً لانتقال المواهب من مستوى محلي إلى فضاءات أوسع، وتبرز كدليل حي على إمكانية النساء في مصر أن يحقن حضوراً قوياً في ميادين فنية عالية الوتيرة وتحديات كبرى. وتبرز قدراتها في دمج عناصر الموسيقى الشرقية مع الآلات الأوركسترالية الغربية، وهو مزج فتح أمامها آفاق جديدة ورفع من رصيدها الفني داخل الأوساط المصرية والعربية.
مسيرة تمتد من بني سويف إلى العالمية
يرتكز تاريخ الجنيدي على مسار طويل بدأ في محافظة بني سويف، حيث صار لها دور بارز كقائدة لفرقة القومية لموسيقى العربية. هذه الرحلة ليست مجرد سرد لسيرة مهنية، بل هي شهادة حية على قدرة الفنانة على تحدي القوالب التقليدية وتقديم نموذج قيادي نسائي وُصف بأنه فريد في المنطقة. وقدرتها على المزج بين الأساليب الموسيقية وتفسيرها بجرأة تبرز في حضورها وفي الطريقة التي تُعيد بها تشكيل الصوت العربي التقليدي ضمن إطار أوركسترالي يضم عناصر عربية أصيلة وأخرى غربية منسوجة بحرفية عالية. يمكن القول إن الجنيدي قد حولت مسيرتها إلى رسالة تثبت أن الأنثى المصرية قادره على قيادة أكبر الفعاليات الفنية بثقة واحتراف.
مزج شرقي وغربي يفتح أفقاً جديدة لموسيقى العربية
ولأول مرة تقود الجنيدي عملاً أوركسترالياً كاملاً بموسيقى عربية خالصة تؤدى عبر أوركسترا مصرية تضم فنات محجبات، وهو تفصيل يحمل في طيّاته معنى ثقافياً عميقاً. هذا الدمج بين التقاليد الشرقية والآلات الأوركسترالية الغربية أضفى على العرض طابعاً مصرياً أصيلاً وجعل التجربة في حد ذاتها ميزة وفريدة. في حديثها أكّدت الجنيدي أن العمل كان متعاً رغم صعوبته، وأن النتيجة النهائية كانت رائعة وخالية من الأخطاء، مشيرة إلى أن التصوير والإخراج كانا عند مستوى عالمي. كما أشارت إلى أن هذه التجربة لم تكن مجرد عمل فني بل كانت مسؤولية ثقافية تجاه الوطن، تعكس قدرة مصر على الدمج بين التراث والتحديث وتقديم صورة مشرقة أمام العالم.
التجربة أمام العالم والتحديات المصاحبة
عند الإعلان عن دعوتها لمشاركة في قيادة الأوركسترا خلال افتاح المتحف المصري الكبير، وصفَت الجنيدي الدعوة بأنها مفاجأة كبيرة، وأعربت عن مزيج من الفخر والق في آن واحد. فالوقوف أمام جمهور عالمي ورئيس الدولة يفرضان مسؤولية غير عادية، لكنها في الوقت نفسه تعبران عن أعمق أهمية هذا الحدث في مسيرتها الفنية التي بدأت في عام 205. وقد دشنت سلة بروفات مكثفة مع الأوركسترا، استمرت لساعات يومية طويلة، وهو ما يشير إلى مدى جدية التحضير وحرصها على تقديم أداء يليق بمكانة الحدث. ورغم الضخامة والتحدي الذي مثله هذا الحفل، أكدت الجنيدي أن التجربة كانت بمثابة علامة فارقة في مسيرتها، وأنها استمدت منها كثيراً من الدروس حول القيادة الفنية والإدارة الحرفية لأول مرة بهذا الحجم.
أوركسترا مصرية نسائية محجبات وتفرد العرض
يشكل حضور الأوركسترا المصرية التي تقودها فنات محجبات جانباً مهماً في العرض، إذ أضفى وجود هذه المجموعة جواً عربياً أصيلاً وخصوصية مصرية واضحة في النقل الموسيقي. في هذه النقطة، تبرز الأهمية الثقافية لمتحف المصري الكبير كمنصة تُبرز التنوع والقدرة على التفاعل مع العالم عبر لغة الموسيقى، مع الاحتفاظ بالهوية والهوى الفني الوطني. هذا الجانب من العرض يجعل الحدث أكثر من مجرد أداء موسيقي، بل رسالة تعكس قدرة المجتمع المصري على المزج بين الماضي العريق والحاضر المتقدم بشكل يحترم قيمه ويعز من حضور المرأة في الميدان الفني.
التكريم والاعتراف المحلي والدولي
لم تكن مشاركة الجنيدي في افتاح المتحف المصري الكبير مجرد أداء عابر في مناسبة استثنائية، بل جاءت تعبيراً عن الاعتراف برؤيتها وروادتها في الموسيقى العربية. في إطار احتفالات تكريم المرأة المصرية التي أقيمت في قصر القبة في عام 202، استُقبلت الجنيدي كرمز لريادة النسائية في هذا المجال. وهذا التكريم يعز من مكانتها كقدوة لمواهب الشابة في الصعيد ومصر عموماً، ويدعم فكرة أن النساء المصريات قادرات على قيادة أكبر الفعاليات الفنية بثقة واقتدار. كما أن المشاركة في هذا الحدث العالمي، وإن لم تحضر الجنيدي افتاحه بشكل شخصي، إلا أنها عبرت عن فخرها الكبير بما قدمته وطالبت بأن تبقى هذه التجربة علامة مضيئة في مسيرتها، وتؤكد أن الفن ليس مجرد تعبير صوتي فحسب، بل هو رسالة ثقافية مسؤولة تمثل الوطن وتاريخه وحاضره أمام العالم.
أثر الحدث على مسيرتها ورؤيتها لمستقبل
إن مشاركة إيمان الجنيدي في افتاح المتحف المصري الكبير تحمل بالنسبة إليها معنى أكبر من الأداء الموسيقي في مناسبة كبرى. هي تعكس قدرة المرأة المصرية على قيادة فاعليات فنية ضخمة بثقة وهدوء، وتؤكّد أن القيادة الفنية ليست حكراً على جنس بعينه، وأن الرؤية التي تقود الفرق والمشروعات الكبرى يمكن أن تنبثق من مختلف الخلفيات، بما فيها الخلفية الصعيدية. هذه التجربة تعز من مكانتها كقائدة فريق يتكون من 50 عازفاً، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة في مستقبلها الفني، وتعيد تعريف القيادة في العالم العربي، بما يجعلها مثالاً لإبداع والعزيمة والريادة النسائية في سماء الموسيقى المصرية. كما أن وجودها ضمن مجموعة تضم 50 عازفاً يبرز قدرتها على إدارة فريق كبير وتوجيه نحو الأداء المتكامل، وهو جانب يعز من مكانتها كقيادة فنية ميزة في المشهد المصري والعربي.
خلفية عن التزامها بنقل التراث والحفاظ عليه
تكشف مشاركات الجنيدي عن اهتمام واضح بالحفاظ على التراث الفني العربي وإعادة تقديمه بروح حديثة تناسب مع التوجهات الفنية المعاصرة. فالموسيقى المستخدمة في الحفل كانت عربية مصرية، وأدى العمل من قبل أوركسترا مصرية مهنية تضم فنات محجبات، وهو ما يبرز التنوع والقدرة على التكيف مع متطلبات الجمهور المعاصر دون الإخلال بالجذور والهوية. وبذلك تكون الجنيدي قد جسدت مفهوم الحداثة مع الحفاظ على جوهر التراث، وهو مبدأ حيوي في أي حوار فني بين الماضي والحاضر.
إن قصة إيمان الجنيدي، من بني سويف إلى منصة المتحف المصري الكبير، تظل نموذجاً حيّاً لإمكانات المرأة المصرية في ميادين القيادة الفنية، وتؤكد أن الإبداع لا يعرف حدوداً جغرافية أو ثقافية حين تقود المواهب بحسٍ عالٍ من المهنية والشغف.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.

























