كتب: صهيب شمس
تراجعت أسعار الذهب في جلسة اليوم الثلاثاء دون مستوى 40 دولار لأونصة، في ظل صعود الدولار الأميركي وتراجع التوقعات حول خفض معدلات الفائدة في ديسمبر/كانون الأول، إضافة إلى انحسار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين. لا تزال التحركات السعرية لذهب متأثرة بمدى قوة الدولار وبالقراءات المحكومة لمسار السياسة النقدية، فيما يعكس تداول المعدن النفيس استمرار حالة الترقّب حول ما ستسفر عنه البيانات الاقتصادية المقبلة والقرات المرتبطة بسعر الفائدة. وفي حين انخفض السعر الفوري لذهب بنحو 0.6% لينهي التداول عند 3974.87 دولاراً لأونصة، تراجعت أيضاً عقود الذهب الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر/كانون الأول بنسبة تقارب 0.8% لتصل إلى 3982.20 دولاراً لأونصة. ويظل مؤشر الدولار أقرب إلى أعلى مستوياته في أكثر من ثلاثة أشهر، متأثراً بانقسامات داخل الاحتياطي الفدرالي الأميركي التي حدّت من التوقعات بخفض جديد لفائدة قبل نهاية العام.
تأثير قوة الدولار على الذهب
يوجد تفاعل واضح بين ارتفاع الدولار وتحركات الذهب، إذ تشكل قوة العملة الأميركية عقدة في خاصرة المعدن الأصفر. وفي إطار هذا التفاعل يعيد المتعاملون تقيم احتمالات السياسة النقدية، وهو ما ينعكس سلباً على جاذبية الذهب كأداة تُستخدم في بيئة معدلات الفائدة المنخفضة وعدم اليقين الاقتصادي. قال تيم وتر، كبير محلي السوق لدى كي.إيه.إم تريد، لرويترز، إن “الذهب يجد نفسه في مواجهة قوة الدولار، وهذا يدفع المستثمرين لإعادة تقيم توقعاتهم بشأن خفض الفائدة في المستقبل القريب”. وفي سياق هذه المعطيات، يظل الذهب معرّضاً لتقلبات قد تستدعي إعادة اختبار مستويات شراء أو بيع جديدة تبعاً لنتائج البيانات الاقتصادية القادمة.
مسارات السياسة النقدية وتوقعات الأسواق
شهدت الأسواق مطلع الأسبوع خفضاً لمعدلات الفائدة من قبل الاحتياطي الفدرالي لمرة الثانية هذا العام، غير أن تصريحات رئيس الفدرالي جيروم باول أكدت أن خفضاً إضافياً في 2025 ليس أمراً مفروغاً منه، وهو ما وضع أسئلة جديدة حول خط سير السياسة النقدية. وبحسب أداة فيد وتش التابعة لمجموعة سي.إم.إي، تجه الأسواق حالياً إلى توقع نسبة تقرب من 65% لخفض جديد في ديسمبر، انخفاضاً من أكثر من 90% قبل تصريحات باول. هذا التفاوت في التوقعات يعكس حالة الايقين حول السياسة النقدية في نهاية العام وبداية العام المقبل، كما يشير إلى أن الذهب قد يظل يتأرجح بين دعم من بيئة معدلات فائدة منخفضة وقيود مرتبطة باستمرار قوة الدولار.
أداء الذهب مقارنة بالمعادن الأخرى
في إطار حركة المعادن النفيسة، ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة طفيفة بلغت 0.1% لتصل إلى 48.12 دولاراً لأونصة، فيما ارتفع البلاتين بنحو 0.1% إلى 156.60 دولاراً، بينما تراجع البلاديوم بنسبة 1% ليصل إلى 1430.31 دولاراً لأونصة. تعكس هذه التحركات الفوارق بين المعادن وتفاوت العوامل المؤثرة على كل معدن، لكنها تبقى في إطار تقلبات الأسواق العالمية مع استمرار الترقب لمجريات السياسة النقدية وتطور العلاقات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم. في هذا السياق، يتذكّر المستثمرون أن الذهب عادةً ما يستفيد من بيئة انخفاض معدلات الفائدة وعدم اليقين الاقتصادي، كونه لا يدرّ عائداً مثل الأسهم أو السندات، ما يجعله أداة تحوط في أوقات التذب.
قراءة السوق: التوظيف وتوقعات الارتداد
ينشغل المستثمرون هذا الأسبوع بيانات اقتصادية أميركية مرتقبة، أبرزها تقرير التوظيف الذي تصدره مؤسة “إيه.دي.بي” بحثاً عن مؤشرات جديدة حول مسار السياسة النقدية. وفي تعليق حول هذه المعطيات، قال وتر: “إذا جاءت بيانات التوظيف مخيّبة لتوقعات، فقد يمنح ذلك الذهب فرصة لارتداد من جديد”، وهو ما يعز احتمالات أن يظل الذهب في حالة من التذب المرتبط بنتائج البيانات الاقتصادية وتوقعات السياسات النقدية. وفي الوقت نفسه، يبقى الانتباه قائماً إلى أي إشارات حول مدى استمرار التوترات التجارية عالمياً وتأثيرها على الطلب على الملاذات الآمنة ومعدن الذهب بشكل خاص.
الذهب منذ بداية العام وحتى الآن
على الرغم من الانخفاض الأخير، يبقى الذهب رابحاً منذ بداية العام بنحو 53%، وهو أداء يعكس أثر السياسات النقدية والتقلبات الاقتصادية العالمية. مع ذلك، سجل المعدن الأصفر تراجعاً بنحو 8% عن ذروته التاريخية المسجلة في 20 أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما يعكس التذب المستمر في الأسعار وتبدل التوقعات بشأن اتجاهات العرض والطلب وظروف الأسواق العالمية. وتبقى الصورة العامة لذهب مرتبطة بمدى استمرار التخوف من عدم اليقين الاقتصادي وتقيم المستثمرين لفرص الاستثمار في أدوات أقل مخاطرة في بيئة تباين فيها مسارات السياسة النقدية وتقلبات الدولار.
التوترات التجارية وآثارها على الطلب الآمن
في سياق العلاقات التجارية الدولية، كان من الافت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي أنه وافق على خفض الرسوم الجمركية المفروضة على الصين مقابل تنازلات من جانب بكين. هذا التطور من شأنه أن يؤثر بشكل غير مباشر على الطلب على الذهب كملاذ آمن، حيث قد تبدل شهية المستثمرين تجاه أصول تعتبر مخاطرها مرتبطة بتطور العلاقات الاقتصادية العالمية. وفي ظل هذه التطورات، يظل الذهب أمام عامل مزدوج: حماية القيمة في مواجهة تقلبات السياسة النقدية من جهة، وتغيرات مخاطر التجارة الدولية من جهة أخرى. وتستمر المعادن النفيسة الأخرى في متابعة التطورات، لكنها تبقى محكومة بالأساس بمسار الدولار والفدرالي وتوقعات البيانات الاقتصادية.
مستقبل الذهب في الأسابيع المقبلة
مع استمرار ترقب الأسواق لبيانات التوظيف والتطورات الاقتصادية، يبقى السيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار تقلب الذهب في نطاقات متداخلة بين دعم ضعف المحفزات الاقتصادية وارتفاع الدولار. فكل قراءة جديدة لوظائف والفقرات الاقتصادية ستعيد تقيم المستثمرين لمعدلات الفائدة المستقبلية وتمنح الذهب فرصاً لارتداد أو الاستقرار في مستويات جديدة. وفي ظل وجود فوارق في السياسات النقدية وتباينات في التوقعات، يظل الذهب بحاجة إلى إشارات واضحة من البيانات والقرات التنظيمية ليعيد تحديد اتجاه على المدى القريب والمتوسط، مع مراقبة تحركات الدولار وباقي عوامل الطلب على الملاذات الآمنة.
الذهب كعنوان رئيسي لسوق النفسي والمالي
في النهاية، يظل الذهب أحد أبرز عوامل التوتر والهدوء في الأسواق العالمية، حيث يجمع بين جاذبية الملاذ الآمن في أوقات الضباب الاقتصادي ومكانته كأداة تحوط ضد مخاطر ارتفاع التضخم وتقلّبات السياسة النقدية. وتبقى الصورة الإجمالية لمعدن الأصفر مرتبطة بتطورات الدولار الأميركي وتوجهات الاحتياطي الفدرالي، إضافة إلى نتائج البيانات الاقتصادية المقبلة. ومع تغيّر هذه العوامل، قد يجد الذهب نفسه أمام فرص جديدة لارتفاع في حال جاءت البيانات أقوى من التوقعات أو في حال تزايد الق من مسار السياسة النقدية، فيما تظل المخاطر قائمة إذا استمر الدولار قويّاً وتراجعت احتمالات خفض الفائدة في الأشهر القليلة المقبلة.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.











































































































