كتب: صهيب شمس
وصف فينسنت روندو، عالم المصريات والمدير السابق لقسم الآثار المصرية في متحف الوفر، افتاح المتحف المصري الكبير بأنه حدث يتجاوز كونه مجرد مناسبة وطنية، بل يمثل احتفاءً بـإرث عالمي وتناغم معه مسارات تاريخية طويلة من التعلق بالحضارة المصرية القديمة وتناقل هذا الشغف عبر الأجيال. وفي لقاء مع قناة فرانس 24 الإخبارية، طرح روندو سؤالاً يكرس فضول كثيرين: “ولكن لماذا نحن مفتون بمصر إلى هذا الحد؟” هذا السؤال دفعه إلى البحث في جذور هذا الاهتمام العميق. وأوضح أن ما توصل إليه أن الافتان بمصر ليس ظاهرة عابرة، بل تراث متأصل في بنية الحضارة الغربية نفسها. وأضاف: “كان الناس يريدون حقاً أن يفهموا هذه النقطة، ولذلك اضطرت لبحث، وما فهمته في النهاية هو أن هذا الافتان تراث. لقد بدأ به الإغريق، ثم أخذه الرومان، ثم وصل إلينا حتى الآن”. بهذا التفسير يرى روندو أن الافتان بمصر ليس شعوراً حديثاً، بل إرث ثقافي متجذر في تاريخ الغرب ذاته. وذكر أن افتاح المتحف المصري الكبير يتوافق تماً مع هذا الإرث، قائلاً: “افتاح المتحف اليوم يحمل في طيّاته كلمات ومحاور أساسية تنسجم تماً مع جذور هذا الافتان”. واختم الخبير الفرنسي حديثه بربط الحدث بالزخم الإنساني العالمي، مشيراً إلى أن الحضارة المصرية القديمة تشكل رابطاً مشتركاً لبشرية جمعاء. وقال: “ولهذا السب كنت أتحدث في البداية عن الزخم؛ لأنه كبشرية عالمية، نحن جميعاً نعيش حقاً مع تراث عظمة مصر القديمة”. وفي سياق حديثه، عز روندو مكانة المتحف المصري الكبير كمعلم حضاري عالمي لا يندرج فقط ضمن كنوز الوطن، بل يعكس فصلاً مهماً من تاريخ الإنسانية المشتركة.
إرث عالمي يتجاوز الحدود الوطنية
يعيد هذا القسم من الكلام التأكيد على أن الارتباط بتاريخ مصر القديم ليس شأن بلد واحد فقط، بل هو إرث عالمي يتخطى الحدود الجغرافية والسياسية. فالمتحف المصري الكبير، كما يرى روندو، ليس مناسبةً داخلية بل انعكاس لإطار أوسع من الوعي البشري يحكمه ارتباط حضاري عابر لزمن. الافتاح، من وجهة نظره، يعيد القول بأن إرثاً كهذا لا يختزل في جعبة بلد بعينه، بل هو قضية مشتركة تجمع أماً عبر العصور. إذا كان هناك ما يجعل الحدث ذا ثقل عالمي، فهو قدرته على أن يذكّر الإنسان بأن الحضارة المصرية القديمة هي جزء من تاريخ الإنسانية، وأن تراثها يتسع ليشمل قيم الإبداع والمعرفة التي تعاكس الحدود الوطنية. وفي هذا السياق، تصبح عبارة “إرث عالمي” ليست مجرد وصف، بل مبنى فكري يربط بين الماضي والحاضر ويحفز النقاش حول كيف يمكن لإنسانية أن تفهم تاريخها المشترك من خلال حضارة كبرى مثل مصر القديمة. بهذا المعنى، يفهم العالم أن افتاح المتحف المصري الكبير ينسجم مع مسار طويل من التبادل الثقافي الذي يربط الشعوب، وأنه يعمل كجسر حضاري يبيّن أن تراث عظمة مصر القديمة ليس ملكاً لمصر وحدها، بل هو إرث عالمي يشارك فيه الجميع.
جذور الافتان بمصر في الوعي الغربي
يؤكد روندو أن الافتان العظيم بمصر ليس وليد قرن حديث فقط، بل هو تراث ثقافي عميق في بنية الوعي الغربي. يعود هذا الارتباط إلى بدايات نفَس التاريخ القديم حين تفاعل الإغريق مع مصر، ثم تبعه الرومان في تبني هذا الاهتمام وتداول قصها وأثارها عبر أساليب فكرية وثقافية مختلفة. وهكذا، لم يتوقف الانبهار عند حدود بلد بعينه، بل انتقل كقيم وأفكار إلى حضارات لاحقة وأثرى الوجدان الإنساني بمفاهيم عن الحضارة والتقدم والخلق والإبداع. هذا المسار الطويل يوحي بأن الافتان بمصر ليس مجرد تأثر فني أو علمي، بل هو تراث متجذر يعكس قدرة الحضارة المصرية القديمة على أن تكون مرجعية فهم ليس لحاضر فحسب، بل لماضي الإنساني أيضاً. وفي ذلك، يَظهر أن بناء المعرفة ليس عملاً محصوراً بمكان، وإنما هو فعل تشاركي يكرس مكانة مصر كمنصة تاريخية يجتمع عندها الفكر والفلسفة والعلوم والآثار. كما أن حديث روندو عن هذا الارتباط يشير إلى أن الإرث الثقافي لمصر يظل قادراً على بث رؤى وأفكار تلهم الأجيال وتفتح أسئلة حول أصل الإنسان ونشأة التفاعل بين الحضارات المختلفة.
المتحف المصري الكبير وتجسيد الإرث العالمي
في هذا الإطار، يرى روندو أن افتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد إضافة جديدة إلى شبكة المتاحف، بل هو تجسيد عملي لإرث عالمي. يقول إن الكلمات والمحاور الأساسية التي يطرحها الحدث تناغم مع جذور هذا الافتان الطويل وتؤكد أن قيمة الحضارة المصرية القديمة ليست محصورة في كونها ثروة أثرية، بل لأنها تجربة فكرية وإنسانية تجمع البشر وتفتح أمامهم آفاق فهم تاريخي مشترك. المتحف، بوصفه مشروعاً حضارياً عالمياً، يقدم دلات على أن التراث ليس ملكاً لمكان معيّن بل هو أداة ربط بين الشعوب والحضارات عبر الأزمنة. وعبر هذه الزاوية، يتحول الافتاح إلى حدث يفرض نفسه كصفحة جديدة في سجل التبادل الثقافي العالمي، حيث يعز فهمنا المشترك لحضارة المصرية القديمة ويعيد تأكيد أنها تشكل جزءاً من الإرث الإنساني الذي يتشارك فيه الجميع لا الدول فحسب. وبالتأكيد، فإن اعتبار المتحف المصري الكبير عملاً يربط الماضي بالحاضر لا يقتصر على عرضه لآثار بل يتجاوز ذلك إلى سردٍ يحفِّز التفكير في دور التقاليد الحضارية في تشكيل الوعي المعاصر.
حوار من الماضي إلى الحاضر: رسالة عالمية
ختاماً، يشد روندو على أن الحدث الأكبر ليس في حد ذاته احتفالاً بمصر فقط، بل رسالة عالمية تقاطع فيها الأزمنة وتُبرز الرابط الجامع لبشرية. الحضارة المصرية القديمة، وفق تحليله، تشكل رابطاً مشتركاً يربط الشعوب عبر العصور، وهذا ما يجعل افتاح المتحف المصري الكبير ليس حدثاً محلياً فحسب، بل عودة إلى طبيعة الإنسان كائن يتشارك في تراث عالمي. منظور فرنسي يطل على أحد أبرز المتاحف العالمية، يظل هذا الحدث تذكيراً بأن إرث عظمة مصر القديمة ليس محصوراً في ذاكرة أمة محدة، بل هو فصلاً في تاريخ الإنسانية المشتركة؛ فالمتحف المصري الكبير، من وجهة نظر روندو، يعز هذا الرباط ويؤكد أن الحضارة المصرية القديمة تحمل في طياتها فرصة لفهم أعمق لترابط بين الشعوب وتفهم مشترك لهوية البشرية عبر العصور. وبذلك، يصبح الحدث بمثابة رسالة مفتوحة إلى العالم تفيد بأن الحضارة ليست ملكاً لزمن أو مكان واحد، بل هي إرث عالمي يتحق حين نتشارك في قراءته وفهمه والاستفادة منه كمرجع في بناء مستقبل إنساني مشترك.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.
























