كتب: أحمد خالد
شهد اليوم الأول من الدورة الثانية منتدى القاهرة الدولي (CAIRO FORUM 2)، الذي ينظمه المركز المصري لدراسات الاقتصادية، جلسة هامة حملت عنوانًا رئيسيًا هو: «معضلة الشرق الأوسط: إلى أين؟ هل سنصل يومًا إلى ما بعد؟ وكيف سيبدو الأمر؟». سبقتها كلمة لسفير الدكتور نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري الأسبق، حذر فيها من واقع دولي وإقليمي بالغ الخطورة. وأكد فهمي أن أس النظام الدولي ذاتها ترنح تحت وطأة مشهد جيوسياسي يتغير باستمرار، حيث أفسح النظام ثنائي القطب المجال أمام واقع سئ ومتنازع عليه وغير متوقع، وتُطبق القواعد فيه انتقائيًا على الضعفاء ولكن نادرًا على الأقوياء. كما لفت إلى تشابك التحديات العالمية مع الأزمات الإقليمية، وأن العالم يشهد غالبًا أن القوة تقدم على المبادئ وأن المصالح قد تجاوز العدالة. وأوضح أن المؤسات التي بُنيت لدعم الأمن الجماعي تعثرت، قائلاً: “مجلس الأمن التابع لأم المتحدة مشلول، والقانون الدولي يُنتهك روتينيًا في وضح النهار، وتُستخدم القوة العسكرية بشكل استباقي خارج الأطر الشرعية”. وفي هذا السياق، شد على ضرورة أن ينهض الجنوب العالمي بالتعريف الأوسع لاستعادة التوازن وإعادة تأكيد مبادئ المساواة والسيادة وعدم التدخل، مستلهمًا روح مؤتمر باندونغ قبل سبعين عامًا. وفي سياق الوضع الإقليمي، وصف السفير فهمي الشرق الأوسط بأنه ليس مراقبًا سلبيًا، بل هو مسرح مركزي تقاطع فيه التنافسات العالمية والطموحات الإقليمية والتطلعات المحلية.
تآكل أس النظام الدولي وتداعياته على الشرق الأوسط
وفي إطار تشخيصه لوضع العالمي، أشار فهمي إلى أن الشرق الأوسط ليس ساحة انتظار بل مساحة محورية تقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع طموحات الدول الإقليمية وتطلعات شعوب المنطقة. فالمشهد الراهن، بحسبه، يشهد إعادة توزيع لقوى في منطقة ذات خصوصية عالية، وتزداد فيه حدة المنافسة بين فاعلين جد وكيانات كبرى. كما لفت إلى انهيار الأطر الأمنية التقليدية، حيث تراجع الاعتماد على حلفاء تقليدين وتزايد الاعتماد على قوى خارجية، وهو مظهر يؤكد أن أي نظام مستدام لا يمكنه أن يستقر على أكتاف غيره. وفي هذه الصورة، حذر من أن المجتمعات الإقليمية تحمل تبعات هذا التحول القاسي دون أن تحصل على ضوابط فعلية تحمي مصالحها. كما أشار إلى أن الصراع على الهوية والانتماء يتزايد في محاولات لتذويب الهوية العربية في إطار شرق أوسطي مبهم، وهو اتجاه يهد باستنزاف الرصيد الثقافي والسيادي لمنطقة. وخلال كلمته، أكد فهمي أن من يخفق في تحديد مستقبل بلدانهم بأنفسهم سيترك الأمر لغيرهم ليحدوه وفق مصالحهم، وليس وفق تطلعات شعوبهم.
الشرق الأوسط كمسرح مركزي وتحدياته الثلاثة الأساسية
في هذا السياق، أشار السفير فهمي إلى ثلاث مسارات رئيسية تشكل الهيكل البنيوي لإعادة تشكيل المنطقة: أولاها إعادة توزيع القوة الإقليمية وظهور فاعلين جد، وهو ما أدى إلى تصاعد وتيرة المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية. وثانيها انهيار الأطر الأمنية التقليدية والاعتماد المفرط على قوى خارجية، وهو ما يحتم على المنطقة بناء أطر دفاعية وسياسية أكثر استدامة ومصداقية. وثالثها الصراع المستمر على الهوية والانتماء، في محاولة لتثبيت رؤية وطنية تلغي أو تقلص من حدة التنوع الثقافي والتاريخي لمجتمعات العربية. وفي هذا السياق، حذر فهمي من أن غياب تحديد مستقبل بلدان المنطقة بأنفسها يجعلها عُرضة لتحديدها من قِبل قوى خارجية وليس وفق رغبات شعوبها، وهو تحذير يعتبرا core من تصوره لمرحلة المقبلة.
فلسطين المحك الحقي لعدالة العالمية
ولم تغفل كلمة السفير فهمي القضية الفلسطينية، التي وصفها بأنها «المحك الحقي لعدالة العالمية»، وأدان النفاق الذي يسمح بالاحتلال الدائم والظلم اليومي. أكد أن عالمًا يسمح بالاحتلال الدائم والظلم اليومي لا يمكنه التحدث بمصداقية عن القانون أو المساواة. دعا إلى موقف دولي ثابت ينهِي الاحتلال، ويعترف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، ثم يُفعل آليات المساءلة عن الانتهاكات المستمرة لقانون الدولي. وعن التطورات في غزة، قال إن اتفاق غزة الأخير يمثل إطارًا مكتوبًا بقلم رصاص وليس خريطة طريق لسلام، مشيرًا إلى أن التجمع في القدس حوله كان تعبيرًا عن سياسات داخلية لولايات المتحدة وإسرائيل وليس خارطة طريق لسلام. وفي المقترح، دعا إلى تعزيز دولي لاتفاق عبر مجلس الأمن وتوفير دعم إنساني مستدام لغزة، إضافة إلى انسحاب إسرائيلي كامل وتدريجي من القطاع، مع التصدي لأي إجراء في الضفة الغربية يهدف إلى التهام الأرض أو استخدام العنف لإحباط التطلعات الفلسطينية.
النوي في الشرق الأوسط واقتراحات السلام الإقليمية
أشار فهمي إلى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي ليست عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوية، وهو ما يطرح إشكالية أمنية وسياسية عميقة. كما دعا إلى استلهام اقتراح مصر وإيران في عام 1974 بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النوية في الشرق الأوسط، وهو تصور يتسق مع سعي المنطقة لتقليل مخاطر التسلّح ونزع فتيل التوترات النوية.
خُطى عملية نحو شرق أوسط يحترم التاريخ ويصون المستقبل
اختم السفير نبيل فهمي كلمته بتأكيد أن العالم العربي يقف عند مفترق طرق، بوجود جغرافيا استراتيجية وموارد طاقة هائلة وسكان شباب وإرث حضاري غني. ودعا إلى العمل على ثلاث جبهات أساسية: أولها إدراك التحديات بصدق، وثانيها تبني إصلاحات وطنية وإقليمية مستمرة، وثالثها تشجيع مشاركة مكونات المجتمع كافة. كما شد على ضرورة الانتقال من الوحدة الخطابية إلى التكامل العملي، والاستثمار في رأس المال البشري كسبيل لتحقيق نمو متوازن وبناء قدرات ذاتية. وأكد أن التاريخ لا يقدم نقاط توقف، وأن الاختيار يبقى لنا في صياغة شرق أوسط يكرم تاريخه ويصون مستقبله، مع احتمال تحقيق تطلعات الشعوب من دون الاعتماد على الغير.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.














































































































