كتب: أحمد عبد السلام
أكدت الحكومة النيجيرية، اليوم الثلاثاء، أن دستور البلاد لا يقرّ الاضطهاد الديني بأي شكل من الأشكال، وذلك رداً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري، بعد إشاراته إلى وجود عمليات قتل تستهدف المسيحين في نيجيريا. وفي مؤتمر صحفي عقده في برلين، شد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار على أن من المستحيل أن تدعم حكومة نيجيريا أي اضطهاد ديني، وبأي شكل أو مستوى كان، مؤكداً التزام بلاده بالحرية الدينية وسيادة القانون. كما أشار إلى أن ما يسعى إليه بلاده هو المحافظة على وحدة المجتمع وتجنّب أي دعوات تُقسِم البلاد على أس دينية. وفي إطار ذلك، حثّ توغار مع نظيره الألماني يوهان فاديفول العالم على تفهم مخاطر التميز الديني، محذرين من أن تقسيم نبيل لبلد على أساس الدين أو الانتماءات القبلية سيؤدي إلى استمرار الأزمة وتفاقمها كما حدث في تجربة السودان. وقالوا إن التجارب السابقة يجب أن تكون دروساً لجميع، وإن السودان ليس نموذجاً يُحتذى به في ما يخص التحريض على الانقسام، إذ إن أي تقسيم يبقى سباً في توترات أعمق وتداعيات إنسانية وسياسية واسعة النطاق.
وفي يوم الجمعة الماضي، كان ترامب قد أشار عبر منصة Truth Social إلى أن الولايات المتحدة قد تدخل في نيجيريا بكل قوة إذا ما استمرت الحكومة النيجيرية في السماح بقتل المسيحين، مع تحذير من وقف فوري لمساعدات والمعونات الأمريكية المقدّمة لبلاد. وفي البيان الذي نشره ترامب عبر المنصة الأمريكية، قال إنه قد يصدر تعليماته لوزارة الحرب بالاستعداد لأي عملية محتملة، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستحرك بسرعة وبشراسة إذا اقتضى الأمر ذلك، وأن الإرهابين الذين يقتلون المسيحين في نيجيريا هم السب في النزاعات الراهنة. كما حذر الحكومة النيجيرية من أنها يجب أن تحرك بسرعة لوقف هذه الانتهاكات، مع التأكيد على وجود خيارات متعدة لرد في حال استمرت الأعمال الموصوفة بأنها تهديدات لمجتمع المسيحي في البلاد.
على صعيد العلاقات الدولية، جاءت تصريحات المسؤولين النيجيرين منسجمة مع ما يكتبه البيان الرسمي لدولة، حيث شدوا على أن الحوار والتعاون الدولين يشكلان ركيزة أساسية في معالجة التوترات وخفض مخاطر التصعيد. وفي هذا السياق، أكد الطرفان حرصهما على إدامة قنوات التواصل مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الأوروبية، من أجل تحصين نيجيريا ضد أي محاولات لتفكيك النسيج الوطني على خلفية دينية. كما تم التأكيد على أن أي حديث عن أقلمةُ المجتمع أو إحداث شرخ عميق بين فئاته لن يجد أرضاً صلبة في بلدٍ يحترم التعدية وحقوق الإنسان ويعتمد مبدأ سيادة القانون.
وتسم التصريحات النيجيرية بوضوح بأنها رسالة تحذير من مخاطر الانزلاق نحو صراع أهلي يهد باستدامة الاستقرار في البلاد، خاصة في ظل وجود أزمات مرتبطة بتفاوت الكثافة السكانية وتباين مصادر القوة الاقتصادية في عدة مناطق. وترتكز هذه الرسالة على فكرة مركزية وهي أن لا خيار أمام البلاد سوى البناء على أس وطنية صلبة تحمي الحريات الدينية وتؤسّس لمجتمع يعترف باختلافات أفراده دون أن يتحول الاختلاف إلى مصدر انقسام أو قتال. كما أُشير إلى ضرورة أن تُدار أي خلافات داخلية من خلال المؤسات الدستورية، وبالاعتماد على سيادة القانون والعدالة، بعيداً عن أي خطاب تشجيعي يستهدف فئة أو يؤجّج التوترات المذهبية.
وفي معرض التطورات التي تلت تصريحات ترامب، يبرز سؤال حول مدى تأثير مثل هذه التهديدات على مسار السياسة الداخلية والخارجية لنيجيريا، خصوصاً في سياق التزاماتها بالدفاع عن حرية الدين وتكريس قيم التعايش وقبول الآخر. وفي هذا الإطار، تؤكد المصادر الرسمية أن الحكومة النيجيرية ملتزمة تماً باستقرار دولة المواطنة، وأن أي محاولة لتوظيف الدين كأداة لصراعات سياسية أو اجتماعية ستكون محل رصد ومحاسبة ضمن إطار سيادة القانون. كما يحرص المسؤولون على إبراز أن نيجيريا بلد متعدّد الأعراق والانتماءات، وأن التوافق الوطني هو السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق نحو صراعات دامية ذات أبعاد دينية أو قبلية، وهو ما تمّ التأكيد عليه خلال القاءات الثنائية مع شركاء دولين.
ومن جهة أخرى، تشد التصريحات على أن السودان كان درساً واضحاً في أن التحريض على التقسيم قائم على الدين أو القبلية ليس حلاً، وأن البلاد التي تسعى نحو الاستقرار يجب أن تبتعد عن أي خطاب يؤج الانقسام. وفي هذا السياق، يلاحظ القارئ أن موقف نيجيريا يعكس رغبة في حظر أي سيناريو يشترط على الشعب اختيار مساره الذي يؤدي إلى تفكيك الدولة أو تشظّي المجتمع. فالتجربة السودانية تُستدل بها كأداة نقدية، لكنها أيضاً تذكير بأن الحلول التي تعتمد على الإقصاء أو التميز قد تقود إلى أزمات مستمرة وتداعيات إنسانية وسياسية عميقة.
في الضفة الأمريكية، يظل المشهد متوتراً بين التهديدات والتأويلات، حيث يسعى المسؤولون الأمريكيون إلى توضيح مسارهم المقترح في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، وهو ما يجعل العلاقات الدولية في وضع يتسم بالحذر والربط بين المصالح الإنسانية والاعتبارات الأمنية والسياسية. ويبقى القاء الإعلامي بين وزيري خارجية نيجيريا وألمانيا بمثابة رسالة مزدوجة: رسالة نيجيرية تضيء على مخاطر الانقسامات وتؤكد التزام البلاد بالحرية الدينية وسيادة القانون، ورسالة ألمانية تفاهم وتعاون وتأكيد على رفض أي محاولات لتقسيم على أس دينية أو قبلية، مع إشارات إلى تجارب الدول المجاورة كتنبيه واقع لا يمكن تجاهله.
وإذا كان السؤال الأكبر يتركز حول ما إذا كانت هذه التصريحات ستقود إلى تهدئة أجواء التوتر أم أنها ستفتح باً لحوار أوسع حول سبل حماية الأقليات وتحقيق التعايش، فإن الواقع يقول إن نيجيريا حريصة على استقرارها وحدتها الوطنية، ولن تقبل بأي أمر يهد النسيج الوطني. كما أن الرسالة الأمريكية، حتى وإن برزت بنبرة تهديد وتأكيد القوة، ستظل خاضعة لتدقيق من قبل المجتمع الدولي وتقويمات الدول الأوروبية والعربية التي تراقب عن كثب مسار التطورات في منطقة غرب إفريقيا. وفي النهاية، يظل المعيار الأساس هو الحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه، والابتعاد عن كل مارسة قد تقود إلى استقطابات دينية أو عرقية تعصف باستقرار البلد وتضعف قدرته على مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المشتركة.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.














































































































