كتب: كريم همام
في ذكرى رحيله يتجد الحديث عن مسيرة فنية شكلت واحداً من أهم المحطات في تاريخ الفن المصري في النصف الثاني من القرن العشرين. حسن عابدين، الذي وُلد في 28 يوليو 1931 بمحافظة بني سويف تحت اسم محمود عبد الوهاب عابدين، نقش مساره بقدراته الفنية وتواضعه الإنساني حتى ظلت أعماله حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى يومنا هذا. بدأت قصة الفنان مع الجيش المصري حين تطوع وخاض حرب فلسطين عام 1948، لتكون بداية طريقه عبر المسرح العسكري قبل أن ينتقل إلى عوالم المسرح والسينما والتلفزيون.
حسن عابدين: البدايات والتكوين الفني
نشأ حسن عابدين في بيئة بسيطة ولم يكن يتوقع أن يصبح نجماً فنياً. تطوع في الجيش المصري وشارك في حرب فلسطين عام 1948، حيث بدأ طريقه من المسرح العسكري أثناء خدمته. بعد انتهاء الخدمة تنقّل بين فرق تمثيل تابعة لقصور الثقافة، ما أتاح له الفرصة لتنمية موهبته واكتساب خبرة في الأداء المسرحي. ولإتمام حلمه الفني، لجأ إلى والده الذي ساعده في التعين بمحكمة بني سويف ثم نقل أوراقه إلى وزارة الثقافة سعياً لتحقيق حلمه بالانضمام رسمياً إلى المسرح العسكري. هناك بدأ يقدم عروضاً مسرحية لافتة لفت الانتباه إلى موهبته، ثم واصل مسيرته مع فرقة المسرح الحديث عام 1961 لتفتح له باً نحو النجومية.
حسن عابدين وتكتل النجومية على خشبة المسرح
في عام 1969 التقى حسن عابدين بالفنان الكبير يوسف وهبي في مسرحية بنت الهوى، وهو تعاون كان بمثابة تمهيد لمسيرته نحو فرقة رمسيس حين لفت موهبته نظر القائمين على العمل. وفي عام 1975 شهدت مسيرته الفنية انطلاقة كبرى عندما شارك في مسرحية نرجس مع سهير البابلي، فأثبت وجوده كأحد الوجوه المحبوبة في الوسط الفني. من ثم تابعت أعماله المسرحية التي رسخت حضوراً لافتاً، مثل عش المجانين، واحد لقى شقة، وع الرصيف، وهو ما مكنه من الانتشار والانتقال إلى جمهور أوسع.
حسن عابدين وعبقرية الأداء على المسرح
مع تقدم سنوات العمل المسرحي، لمع نجم حسن عابدين بشكل خاص إلى جانب محمد نجم في عرض عش المجانين في أواخر السبعينيات، حيث ارتبطت بعض عباراته بذاكرة جمهور ذلك القرن مثل: “شفيق مين” و”شفيق يا راجل” فتناقلها الناس وتردوها كجزء من ثقافة المشهد المسرحي. كان أداؤه يجمع بين الجدّية وخفة الظل، ما جعل حضوره ميزاً ومؤثراً في أذهان المتلقين عبر أجيال عديدة.
من المسرح إلى سينما وتلفزيون حسن عابدين
لم يقتصر تأثيره على المسرح فحسب، بل امتد ليترك بصمة قوية في السينما والتلفزيون. في السينما قدم عابدين مجموعة من الأدوار التي كشفت قدرته على تجسيد الشخصيات المتنوعة بتلقائية وصدق. من أبرز أفلامه: عنبر الموت، ريا وسكينة، درب الهوى، سترك يارب، ملكة الهلوسة، على من نطلق الرصاص، والعذاب فوق شفاه تبتسم. كما كان لصوته حضور ميز على شاشة التلفزيون من خلال مسلات شهيرة خلال السبعينيات والثمانيات، منها أنا وأنت وبا في المش، أبناء الأعزاء شكراً، أبواب المدينة، رحلة السيد أبو العلا البشري، فرصة العمر، وفيه حاجة غلط. كذلك شارك في برامج إذاعية روتينية مثل مش معقول وعجبي، التي أبدع فيها في الأداء الصوتي، مضيفاً بذلك بعداً آخر لمسيرته الفنية.
حضور عام ومسار جمع بين العطاء والإعلانات
ولم يقتصر حضور حسن عابدين على المسارح والسينما والتلفزيون فحسب، بل امتد ليشمل الإعلانات. شارك في حملة إعلانية ضخمة لشركة مشروبات غازية لاقت نجاحاً كبيراً بفضل حضوره القريب من قلوب الجمهور وجاذبية صوته وجه الذي يجمع بين الطيبة والودية. هذا الحضور الإعلامي أضاف لبصمته قيمة إعلامية واجتماعية، وأسهم في توسيع جمهور الفنان بشكل ملحوظ، ليصبح اسمه رصيداً ثقافياً يمتد إلى ما وراء المسرح والسينما.
التوازن الأسري والجانب الإنساني لحسن عابدين
على الصعيد العائلي، تزوج حسن عابدين من ابنة عمه وأنجب منها أربعة أبناء هم: طارق وخالد وإيمان وهبة. كان حريصاً على أن يظل أبناؤه بعيدين عن دائرة الفن لضمان حياة أكثر استقراً لهؤلاء الأولاد، وهو موقف يعكس تقاليد أسرية محافظة تضع الأمن والاستقرار الأسري في مقدمة الاهتمات. ظل الفنان يرسم توازناً بين حياته المهنية والتزامه العائلي، محافظاً على قيمه وتواضعه داخل وخارج حقل الفن.
مرضه وفاته: إرث خالد وآثار خالدة
في أواخر الثمانيات واجه حسن عابدين مرض سرطان الدم، إلا أنه واصل مشواره الفني بعزيمة لا تلين وإيمان بكون الفن رسالة لا تنتهي إلا بانتهاء العمر. وفي الخامس من نوفمبر عام 1989 رحل عن عالمنا، مخلفاً إرثاً فنياً ضخماً وأعمالاً لا تزال تُذكَّر الجمهور بأن الفنان الحقي ليس فقط من قدّم، بل من ترك أثراً عميقاً في قلوب الناس. تظل مسيرته شاهداً على قدرة الفنان على التطور والتزام والإبداع، وتبقى أعماله شاهدًا حيّاً على تفاهمه بين الأداء والإنسانية.
ذكرى وبناء إرث حسن عابدين في الوجدان
تؤكد مسيرة حسن عابدين أن الفن الذي يترك أثراً عميقاً في الوجدان ليس مجرد عروض ولا أدوار بل رسالة حية ترافق الأجيال. عبر المسرح الحديث والدراما التقليدية والسينما والإذاعة، قدم نموذجاً مختلفاً عن بقية الفنانين في تلك الحقبة؛ نموذج يجمع بين الانضباط المهني والموهبة الفطرية والتواصل الإنساني. ولجمهوره الذي لا يملّ من تذكّره، يبقى اسم حسن عابدين مرتبطاً بعبارات وقواسم مشتركة مع الروح الجماهيرية، ويستمر أثره في ذاكرة الفن المصري كما لو أنه حيّ وسط الساحة الفنية.
رحلة من المسرح العسكري إلى قلوب الجماهير
إن مسيرة حسن عابدين تقف عند نقطة مفصلية في تاريخ الفن المصري: التحول من المسرح العسكري إلى فضاءات أوسع من المسرح والسينما والتلفزيون، والإسهام في تشكيل ذاكرة جماهيرية عريضة. تبقى أعماله شاهدة على قدرة الفنان على بناء جسور بين الواقع والخيال، وبين الجدية والمرح، وبين الحضور المسرحي والانتشار الإذاعي والتلفزيوني. وبذلك يظل اسمه حاضراً كمرجع في تاريخ الفن المصري المعاصر، كفنان جمع بين المهنية والإنسانية وألهم أجيال من الفنانين الذين جاءوا بعده.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.














































































































