كتبت: سلمي السقة
شاركت وزارة الأوقاف في الندوة التوعوية التي نظمتها كلية العلوم بجامعة القاهرة بعنوان “معًا ضد الإدمان”، وذلك في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها الوزارة لتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الإدمان وسبل الوقاية وفق ما تقتضيه تعاليم الإسلام. وتناول القاء محورًا رئيسيًا يهدف إلى إثارة الانتباه إلى خطر الإدمان وتبيان السبل الوقائية من خلال منهجية تربوية ودعوية تراعي قيم الدين وتفتح آفاق الحوار حول مسؤولية المجتمع في حماية الشباب من هذه الظاهرة. جاء الحديث في هذه الندوة منسجمًا مع التوجه العام لوزارة في مواجهة التحديات الاجتماعية من خلال آليات تربوية رصينة، مع التأكيد على أهمية الاستدلال الشرعي في بناء أساليب الوقاية والتوعية.
مفهوم حفظ الضرورات الخمس وأثره في الوقاية من الإدمان
افتح الدكتور إبراهيم شعبان المرشدي، مدير عام الإرشاد الديني ونشر الدعوة بالوزارة، مداخلته بتوضيح مفهوم حفظ الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها: الدين والنفس والعقل والعِرض والمال. وأشار إلى أن العقل يمثل جوهر التكليف ومناط المسؤولية في الإسلام، وهو محور رئيسي في تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات. وفي إطار ذلك، استشهد بالاقتباسات التي تُبرز مكانة العقل في الرؤية الإسلامية، من بينها قول الإمام الغزالي: “وما قسم اله لخلقه حظًّا أفضل من العقل واليقين، والعقل مع الشرع نور على نور”، وهو تصريح يعز فكرة أن التوازن بين العقل والشرع يظهر كضمانة لوقاية من الانزلاق في المخاطر. كما أشار المرشدي إلى توجيه الإمام الماوردي حين قال: “وكانت الملوك إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل”، ليؤكد أن العقل المتزن قادر على تهيئة الأرضية السليمة لاتخاذ قرات مسؤولة. وتناول في هذا السياق تأثير حفظ الضرورات في الوقاية من الإدمان، حيث يرى أن صون النفس والعقل والمال يفرض وضع آليات حماية فردية واجتماعية تمنع الانجراف نحو سلوكيات ضارة وتُعز الانضباط الذاتي والشعور بالمسؤولية.
أبعاد الإدمان وخطره وفق الرؤية الدينية
ثم أبرز المرشدي أن الإدمان ليس مجرد سلوك قد يسيطر على الشخص فحسب، بل هو واقع يؤثر في بنيته العقلية والنفسية والاجتماعية، وهو ما يجعل من الوقاية مسؤولية مشتركة لجميع. وشرح تعريف المخدرات كما ورد في التفسير الديني والعلمي بأنها تُغطي العقل وتفقد الإنسان وعيه، ما يجعل التفكير واتخاذ القرار أمورًا خارج نطاق السيطرة. كما أشار إلى تعريف ابن حجر لدوائر الخل، حيث قال: “كل ما يؤدي إلى تغطية العقل أو فتور البدن”، موضحًا أن هذه العوامل تفتح الباب أمام تدهور الروابط الأسرية والاجتماعية وتعرقل بناء حياة مستقرة. وفي هذا السياق أورد عدًا من الأسباب التي تقود إلى الإدمان كصحبة السوء وضعف الوازع الديني والمشكلات الأسرية وضغوط العمل والوحدة والفراغ، وهي عناصر تشترك في تكوين بيئة مناسبة لانتشار هذه الظاهرة. وفي إطار تربوي، استشهد بحديث لنبي صلى اله عليه وسلم يؤكد على قيمة الإيمان والتزام كخيار وقاية من المحظورات.
أسباب الإدمان وسبل الوقاية المعهودة
ركزت فقرات الحديث على استعراض العوامل التي تسهم في دفع الفرد نحو الإدمان وطرح آليات وقائية قائمة على الوعي الديني والتربية الأسرية والاجتماعية. وأوضح المرشدي أن وضع الوقاية لا يقتصر على التحذير فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بناء قدرة الشباب على مواجهة الضغوط وتطوير مهارات اتخاذ القرار السليم والتشبّع بقيم الصبر والتزام والمسؤولية. كما أشار إلى أهمية العمل على تقوية روابط المجتمع وتوفير بيئة داعمة تقترب من المدمن وتسانده بدلاً من نبذه، لأن العلاج والشفاء يتطلبان أدوارًا متكاملة من الأسرة والمدرسة والمجتمع ومؤسات الدولة. وفي هذا السياق، أورد قول النبي صلى اله عليه وسلم: “من كان يؤمن باله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر”، كإشارة إلى ضرورة تقويم العادات وتربية الأجيال ضمن إطار ديني يرسخ التماسك الأخلاقي ويقل من فرص الانزلاق نحو المخاطر.
التعامل الإنساني مع المدمن وأثره الوقائي
وفي ختام الندوة، شد الدكتور إبراهيم المرشدي على ضرورة التعامل الإنساني مع المدمن وعدم النفور منه، بل التقرّب منه وتقديم الدعم والمساندة باعتباره مبتلى يحتاج إلى رعاية وتأهيل لا لعناد والشماتة. وأكد أن القرب من المدمن يمكن أن يكون خطوة ثابتة نحو إعادة تأهيله وبناء مسار حياة صحي، من خلال توفير بيئة آمنة وفرص لتعافي والاندماج الاجتماعي. واستشهد بحديث النبي صلى اله عليه وسلم: “لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه اله ويبتليك”، مؤكدًا أن قيم الرحمة والتضامن والمواساة هي جزء لا يتجزأ من مواجهة الإدمان وتخفيف آثاره على المجتمع. وتؤكد هذه الروابط الإنسانية أن الوقاية تكون أقوى عندما ترتبط بالرحمة والتفهم والتوجيه الرشيد، بعيدًا عن النظرة السلبية التي قد تعيق أي جهد لعلاج والإصلاح.
دور الوزارة في نشر الوعي المجتمعي
تُبرز هذه الندوة دور وزارة الأوقاف الحيوي في نشر الوعي المجتمعي ومواجهة ظاهرة الإدمان عبر منهج تربوي ودعوي راقٍ يعز قيم المسؤولية والانتماء ويحمي الشباب من المخاطر الفكرية والسلوكية. وتؤكد الفعالية أن العمل التوعوي ليس مجرد مخاطبة دينية بل بناء منظومة قيم وتنمية مهارات تمكن الأفراد من مقاومة الإغراءات وتبني أنماط سلوكية مستندة إلى الحكمة والاعتدال. وتأتي هذه الجهود ضمن إطار استراتيجي يهدف إلى تكاتف جبهات المجتمع من أجل توفير بيئة أكثر أمانًا لشباب ولمجتمع كل، وهو ما يخدم حفظ النفس والعقل والمال والعرض بما ينسجم مع مبادئ الشريعة والروح الإنسانية.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.











































































































