كتبت: بسنت الفرماوي
في مساء الأربعاء ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية من كنيسة السيدة العذراء والشهيد مار جرجس بمدينة الأمل، ضمن نطاق كنائس قطاع ألماظة ومدينة الأمل وشرق مدينة نصر بالقاهرة. جاءت العظة في سياق اجتماع الأربعاء، وتخللتها صلوات العشية بحضور نيافة الأنبا أكليمندس الأسقف العام للقطاع، إضافة إلى عدد من الآباء الأساقفة ووكيل عام البطريركية وكهنة القطاع. بعد العشية رتل خورس الشمامسة وكورال الكنيسة عدداً من الألحان الكنسية، ثم تناول البابا بالحديث محوراً يجمع بين الروحانية والتربية الأسرية، مركّزاً على مفهوم “الطفولة الشاهدة لله” بمناسبة اليوم العالمي للطفولة الذي يُحتفى به خلال هذا الشهر.
قدم البابا خلال العظة إشادةً بمكانة منطقة مدينة الأمل، وأكد أن العمل المشترك في هذه المنطقة يظهر مدى عظمة خطة الله في الكنيسة عندما يتضافر الكل من أجل مجد المسيح، كما قال بولس الرسول: إننا نعيش من أجل الله وننمات في جرأة الإيمان ونشهد له في كل زمان. وقد أشار البابا إلى أن الزيارة تكسِر الحواجز وتُظهر أن الكل يعمل من أجل خدمة المؤمنين، بغض النظر عن الخلفيات أو الأعمار. وفي سياق العظة روى البابا أن حديثه اليوم عن الطفولة الشاهدة لله يندرج في إطار الاحتفال باليوم العالمي للطفولة، وهو يُؤكد أن هذه البذرة المقدسة ليست مرحلة عابرة، بل أساسٌ لبناء القداسة في الإنسان عبر الزمن.
الطفولة الشاهدة لله كقوة للخلاص وقاعدة للوحدة الروحية
وتحدث قداسته عن أن الطفولة ليست مجرد مرحلة في الحياة، بل بذرة القداسة التي تبرز قوة الله في العمل الروحي. واستشهد بنموذج الفتاة الصغيرة الأسيرة من قصة نُعمان الملك الأرامي في سفر الملوك الثاني كدليل حي على أن الإيمان البريء يمكن أن يكون له تأثير عظيم في شفاء الإنسان وتغيير مجرى الأحداث عندما يتواضع القلب ويثق بالله. وفي هذا السياق استند إلى عبارة من الأناجيل تؤكد صدى كلمات الأطفال في تقديس الله وتسبحتهم، مشيراً إلى أن بساطة الطفولة قد تكون طريقاً للقوة الروحية التي يحققها الله في العالم.
الطفلة الشاهدة لله.. رسالة الإيمان والخلاص
فهم البابا أن الفتاة الصغيرة، وإن كانت بلا اسم وبعيدة عن وطنها، قد حصلت على جرعة إيمان من أسرتها، وواجهت البلد الوثني بكلام بسيط يهدف إلى الشفاء. ربط البابا هذا بمبدأ أن من وضع نفسه مثل هذا الولد هو الأعظم في ملكوت السماوات، وهو تأكيد يعزز قيمة الطفولة كعنصر فاعل في الخلاص والخير الإلهي. وقد رأى البابا في شهادتها شهادة حية على أن كلمة الطفل حين تكون صادقة وخالية من ريب، تحمل رسالة إنقاذ للإنسان المريض وتفتح باباً للأمل.
بساطة القلب وتغير العالم من خلال الطفولة
أشار القديس البابا إلى أن تأثير الطفولة يمكن أن يمتد إلى عالم من حولها بسبب بساطة القلب ونقاء النية. ذكر أن مقطعاً من قصة نعمان الأبرص يبرز كيف أن طلبة الأطفال وتوجيههم قد يكون له أثر ملموس في طلب الشفاء من الله. كما أشار إلى أن الكلام الذي يأتي من أفواه الأطفال والرضع يسَبِّب تسبيحاً ويفتح قلوب الناس لله، وهو دليل آخر على أن بساطة الطفولة ليست عائقاً أمام العمل الروحاني بل هي أحد مصادر قوّة الإيمان.
الطفولة مدرسة العالم في الخدمة والشهادة
وضح البابا أن الفتاة الصغيرة لم تكتفِ بالشهادة بل دَعَتْ سيدها إلى النعمة من الله عبر نصيحتها، لتكون خدمتها سبباً في شفاء نعمان وتجلّي حضور الله في حياة الناس. وأشار إلى أن نجاح الخدمة وتحققها يعتمد في المقام الأول على النوايا البريئة والنية الخالصة لخدمة الآخرين. وهنا يبرز دور الأسرة والمجتمع في تهيئة بيئة تسمح للطفل بأن ينمو وهو يحيا الإيمان ويقدّم شهادة عملية من خلال الأعمال الصالحة.
الدروس المستفادة من قصة الفتاة والشفاء وأبعادها التربوية
قدم قداسة البابا أربع دروس مستفادة من قصة الفتاة الصغيرة وشفاء نعمان الأبرص، وهي:
– الإيمان العميق رغم الألم، مع الصلاة المستمرة من أجل راحة المتألمين وعدالة المصابين.
– المحبة الشريفة التي تتجاوز الظلم، فالفتاة بالرغم من كونها أسيرة، لم تحمل في قلبها إلا الخير والمحبة تجاه سيدها ونعم الله عليه.
– الشهادة بدون خوف، مثال القديس أبانوب النهيسي أمام الوالي، تشددنا على أن الشهادة لا تتطلب وضعاً مناسباً أو مكانة كبيرة، بل متى ما كانت النية صادقة تكون القوة الإلهية حاضرة.
– أن الطفل المؤمن يمكن أن يكون قدوة للكبار، فالإيمان الذي يحمله الطفل قد يكون له أثره الكبير في تشجيع الكبار على التماهي مع قيم الإيمان والخير.
دعوة إلى الأهل بشأن التربية وتربية الأبناء
وأوصى البابا خلال حديثه الآباء والأمهات بأن يولوا تربية الأبناء أولوية قصوى، وأن يمنحوا أطفالهم الوقت والاهتمام الكافيَين، بما يربّي فيهم قيم الإيمان والأمان والتقوى. كما شدد على ضرورة حماية الأبناء وحفظهم من المخاطر التي قد تعترض طريقهم في الحياة اليومية، مع التنبيه إلى أن التربية الجيدة تثمر في المستقبل وتأتي ثمارها في حينها. وتابع بأن الأسرة هي الخلية الأولى التي تزوّد المجتمع بمواطنين صالحين، وأن وجود منزل جيّد وكنيسة سليمة ومدرسة تعليمية مناسبة هو جزء من البنية الأساسية التي تُمكّن الشباب من أن يكونوا رافداً لبناء الوطن وخدمة المجتمع.
خاتمة العظة والرسالة العملية للمجتمع الكنسي
ختم قداسة البابا حديثه بتأكيده أن الكل يعمل معاً في خدمة كنيسة مدينة الأمل والعمل من أجل مجد الله. وأوضح أن الفرح بالطفولة وبنتائج التربية يظهر في ابتسام الأطفال ونموهم المبارك، وهو نداء مستمر للمحبّة والعمل والالتزام الثابت بتعليم المسيح. كما شكر الحضور من الآباء والشمامسة والوجود السودانيين الذين يخدمون معًا في سبيل خدمة المجتمع وتطوير مؤسساته المختلفة من منزل وجامعة ومسجد وكنيسة، معبراً عن سعادته بزيارة المنطقة وبالوصول إلى رؤية عمل الله فيهم. وفي ختام حديثه، شدد البابا على أن الأهل والراعين مسؤولون عن بناء مستقبل قائم على الإيمان والتربية السليمة، يفتح الباب أمام طموحات المجتمع المسيحي للإسهام في بناء الإنسان والوصال بالله.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.

























