كتب: كريم همام
قال الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الشريف، إن الوعي الأسري يمثل عاملاً حاسماً في بناء شخصية الإنسان وثقته بنفسه عبر مراحل حياته. يوضح أن الاستقلال النفسي والسلوكي للطفل يمر بمراحل ترسخ الذات وتحوّلها إلى ثقة بالنفس، وتبدأ هذه المراحل منذ منتصف السنة الثانية حين يبدأ الطفل بالحركة واللعب والتسلق والمشي، فيشعر حينها بأنه أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه. في هذه المرحلة الأولى تتشكل بذور الشخصية المستقلة، لكن الصراع يظهر أحياناً عندما تحرص الأم على منع الفوضى أو الاتساخ خوفاً من النتيجة، ما يخلق تبايناً واضحاً بين رغبة الطفل في الاستقلال وخوف الأم عليه. الأم الواعية تدفع الطفل ليعتمد على نفسه حتى لو أسقط الطعام من يده، لأن ذلك يعزز لديه الإحساس بالقدرة والثقة. أما قمع هذه الرغبة فربما يترك أثراً في شخصية الطفل لاحقاً، فيظهر كخجل أو خوف أو إحساس مستمر بالعُرْبة من الخطأ.
المرحلة الأولى من الاستقلال وتحدياتها
بداية الطريق نحو الاستقلال النفسي لدى الطفل تتخذ أشكالاً يومية بسيطة، لكنها عميقة في تأثيرها على بناء الثقة بالنفس. يواجه الطفل في هذه الفترة محاولة لإتمام المهام بذاته، حتى وإن بدا ذلك محكومًا ببعض الفوضى والارتباك، كأكل الطعام بيده أو محاولة ارتداء ملابس بسيطة دون مساعدة. هذه المحاولات ليست مجرد تفاصيل ترفيهية، بل هي جذور تعزز الشعور بالقدرة والاعتماد على النفس وتؤسس لقدرته على مواجهة تحديات أصغر في حياته المستقبلية. وفي هذا السياق يؤكد خبراء التربية أن الوعي الأسري يجب أن يفسح المجال للمحاولة دون الخوف من الأخطاء، لأن الأخطاء ذاتها هي معلم رئيسي لثقة الطفل في قدرته على التعلم والتكيف. حين يسقط الطعام من اليد، أو يفشل في مسعى بسيط، فإن ذلك ليس نهاية المطاف، بل خطوة نحو تعزيز حالة الاعتماد على الذات وتطوير قدرة الطفل على ترتيب نفسه ومحلّيته ضمن محيطه اليومي. وفي المقابل، حين تتدخل الأم أو الأب بحزم في كل محاولة خوفاً من الفوضى، يفقد الطفل جزءاً من مبادرته ويبدأ في الشعور بأن الاعتماد على النفس مرفوض أو خطأ، ما يعزز لديه مخاوف تتعلق بالقدر والسلوك وتؤثر في كينونته الاجتماعية خلال مراحل لاحقة من الحياة.
المرحلة الثانية: مبادرة وتقلد وتعلم من الكبار
بين سن الثانية والسادسة، تنتقل آليات الاستقلال من مجرد الاعتماد إلى محاكاة الكبار وتقليدهم في الأنشطة اليومية. يلاحظ الطفل كيف يقوم الأب أو الأم بسلسلة من الأعمال، فيبدأ بمحاكاة هذه الأدوار بطرق بسيطة، سواء كان الولد يقلد والده في بعض التصرفات، أو البنت تقلد أمها في عادات يومية. هذه الفترة تمثل مرحلة المبادرة التي يسعى فيها الطفل لإبهار الكبار وللحصول على قبولهم واستحسانهم، وهو دافع إيجابي قوي يمكن أن يحفز على توسيع دوائر السلوكيات المستقلة والمسؤولية المبكرة. ولتدعيم هذه المبادرة وتحوّلها إلى سلوك دائم، يشير المهدي إلى أن تشجيع الأهل بكل مظاهره الإيجابية—الابتسامة، والاحتضان، والكلمات الطيبة—يلعب دوراً رئيسياً في ترسيخ الثقة بالنفس وروح المبادرة لدى الطفل. أما القمع المستمر لهذه المحاولات أو توبيخه على كل محاولة فسيؤدي إلى إحساس دائم بالذنب، وربما يجعل الطفل يرى نفسه دائماً في موضع الخطأ وغير محبوب، وهو ما يعرقل قدرته على بناء صورة ذاتية واثقة.
دعم الوعي الأسري يعزز الثقة والمبادرة
يتضح من مسار تربية الطفل أن الوعي الأسري ليس شعارات رنانة فحسب، بل هو نمط حي من التعامل اليومي مع الطفل. حين تتبنى الأسرة أسلوباً تشجيعياً يرسِّخ في الطفل إحساساً بالقدرة وبالمبادرة، تنمو لديه قدرة على اتخاذ قرارات بسيطة والمضي قدماً بثقة. وهنا يبرز دور الوعي الأسري كعامل مركزي في تحفيز الاستقلالية وتطوير المهارات الاجتماعية التي تسمح للطفل بالاندماج بثقة في محيطه. لا يعكس هذا المسار فقط قدرة الطفل على أداء مهام صغيرة بمفرده، بل يرسّخ أيضاً موقفاً من الثقة بالنفس يرافقه طوال مراحل التعلم والتطور. كما يشير الدكتور المهدي إلى أن الاستقلال النفسي لا يبنى فجأة في سن المراهقة أو الشباب، بل هو نتاج تراكم مراحل تربوية مبكرة، تبدأ من ترك الطفل يأكل بيده وتستمر بتشجيعه على المبادرة وتحمل المسؤولية. في هذا السياق، يؤكد أن “الطفل الذي يمنح حرية آمنة، يصبح راشدًا متوازنًا، قادرًا على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته دون خوف أو تردد”.
الاستقلال النفسي كمسار طويل يبدأ مبكراً
إذا نظرنا في سياق التطور النفسي للطفل، نجد أن الاستقلالية ليست ثمرة لحظة عابرة بل مسار طويل يتطلب صبر الأسرة وتوجيهاً مستمراً. الاستقلال النفسي لا يُبنى في يوم واحد، بل يتكوّن من سلسلة تجارب تربوية مبكرة، تتخللها فرص لتعلم الاعتماد على النفس وتحمّل المساءلة. هذه المسارات المبكرة، وهي محور دور الوعي الأسري، تجهّز الطفل لاتخاذ قرارات بسيطة في مرحلة مبكرة من حياته وتؤهله لاحقاً لمواجهة تحديات أوسع بثقة. إن وجود بيئة أسرية تدعم المبادرة وتوفر قدراً من الحرية الآمنة يسهّل عليه الانتقال من الاعتماد على الكبار إلى امتلاك القدرة على اتخاذ القرار وتبعاته. وفي ختام هذه الرؤية، يؤكد الخبراء أن الوعي الأسري يمثل القاعدة التي تنطلق منها شخصية الطفل نحو الثقة بالنفس والاستقلال الحقيقي، وأن الحرية الآمنة التي تمنحها الأسرة هي ما يرسخ في الطفل القدرة على التحكم بمسار حياته دون خوف أو تردد.
الطفل الذي يمتلك حرية آمنة، يصبح راشداً متوازناً، قادرًا على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته دون خوف أو تردد.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.























