كتب: إسلام السقا
مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس شهره الثاني، وبضغط قوي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحفاظ عليه وتثبيته، تبدو ملامح المرحلة التالية أكثر وضوحاً على أرض الواقع الإسرائيلي. فهذه المرة تراجع صوت الإنذارات وهدأت صفارات الإنذار، كما عاد عشرات الآلاف من جنود الاحتياط إلى عائلاتهم وإلى أعمالهم، مع إفراج متدرّج عن الرهائن، وهو ما يوحي بأن إسرائيل بدأت فعلياً حقبة جديدة عنوانها انتهاء القتال لكنها لا تعلن ذلك كنهياً بشكل كامل. وفي عمق هذه المشاهد تأتي قراءة مجلة فورين بوليسي الأمريكية التي تطرح أسئلة جوهرية حول اتجاه إسرائيل بعد حرب غزة: هل ستعود السياسة الإسرائيلية إلى ما قبل الحرب أم ستفتح الباب أمام تفاهمات ولو محدودة مع الفلسطينيين؟ وهل ستتجه القيادة نحو مراجعة عميقة داخلياً أم ستبقى الأمور في إطار الجمود السياسي؟
فكرة المحاسبة ما بعد الحرب ومسألة اللجنة الرسمية
تشير المجلة إلى أن مرحلة المحاسبة ما بعد حرب غزة قد تكون منطلقاً لاستئناف النقاشات حول الإخفاقات التي أدت إلى التصعيد الأخير. فهي تذكر تقليداً تاريخياً في إسرائيل يقوم على تشكيل لجان تحقيق بعد أزمات وطنية كبرى، لاستعراض المسؤوليات واستخلاص الدروس. إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه رفضاً حازماً لفكرة إنشاء لجنة تحقيق في هذه الظروف، وهو موقف يفتح باباً للاستفهام حول مدى تقبل إسرائيل لمساءلة الحكم عن أخطاء فادحة ارتبطت باندلاع القتال وتداعياته اللاحقة. هذه الديناميات تعيد إلى الأذهان مبدأ المحاسبة كآلية دستورية وسياسية قد تلعب دوراً حاسماً في تشكيل صورة الحكومة وقدرتها على اتخاذ قرارات صعبة في المرحلة المقبلة.
المسألة الانتخابية وتوازن القوى داخل الكنيست
يركز التحليل أيضاً على المسألة الانتخابية التي يفترض قانونياً إجراؤها قبل تشرين الأول/أكتوبر 2026، لكن نتنياهو يبدي ميلاً واضحاً لتأجيل هذا الاستحقاق قدر المستطاع. وتبرز تطورات داخل ائتلافه الحكومي عندما انسحب حزبان من الحريديم (شاس ويهودوت هتوراه) من الائتلاف احتجاجاً على فشل الحكومة في تمرير قانون يعفي طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، وهو ما أفقد الحكومة أغلبيتها في الكنيست. وفي ذات السياق، أبدى أحزاب اليمين المتطرف داخل الائتلاف اعتراضاً علنياً على سياسات رئيس الوزراء ودعمها لمشروعات مثل ضم الضفة الغربية. كل هذه التطورات ترسم مشهداً سياسياً معقداً يهدد بالانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار يمكن أن تعمق الهوة بين مكونات الائتلاف وتؤثر في مسار الانتخابات.
التداعيات الدولية والمحلية وآثارها على صورة إسرائيل
تسجل فورين بوليسي أن حرب غزة كانت الأطول في تاريخ إسرائيل والأكثر دموية، وهو ما خلف عزلة دولية غير مسبوقة وشعوراً بالإحراج لدى كثير من الإسرائيليين في الخارج، إضافة إلى صدمة في الوجدان الوطني جراء قضية الرهائن. ورغم أن الدمار الهائل داخل غزة ووقوع خسائر كبيرة في صفوف الفلسطينيين داخل إسرائيل خلال الحرب لم يحركا في النهاية تغيراً ملموساً في الرأي العام الإسرائيلي، فإنهما يطرحان أسئلة أخلاقية مؤرقة قد تبرز حين تهدأ موجة الغضب وتُفتح بعض الملفات على مصاريعها. وفي المقابل، لم تغير نتائج الاستطلاعات داخل إسرائيل من قوة المعسكر المؤيد لنتنياهو بشكل جوهري، إذ ظل معسكره محافظاً على موقعه بينما ظل المعسكر المعارض متقدماً نسبياً لكن دون أن يحقق أغلبية مضمونة في الكنيست خارج دعم الأحزاب العربية. هذه المؤشرات توحي بأن المعطيات السياسية قد تبقى متقلبة حتى موعد الانتخابات، ولا تبدو هناك صورة حاسمة لمرحلة جديدة قابلة للبناء عليها.
خيارات نتنياهو والسيناريوهات المحتملة
تنقل المجلة عن خيارات متداولة لنتنياهو، من احتمال التقاعد السياسي مقابل عفو رئاسي عن قضايا فساد واتهامات بالاحتيال يواجهها، إلى احتمال أنه يبقي على موقعه في قيادة حكومة أقلية مع تعقيدات كبيرة. رغم أن بعض حلفائه يلمحون إلى مثل هذا السيناريو، إلا أن فرص الحصول على عفو بينما يظل في المشهد السياسي تبقى ضعيفة. وفي حال خروج نتنياهو من المشهد، يواجه حزب الليكود فراغاً قيادياً واضحاً قد يتركه بلا شخصية بارزة يمكنها خلافته، وهو ما ظهر في نتائج استطلاعات الرأي التي أظهرت غموضاً حول هوية القائد البديل، مع صعود يوسي كوهين، المدير السابق للموساد، بنسبة تأييد محدودة لا تتجاوز عشر في المئة وفقاً للاستطلاعات الأخيرة، وهو تصريح له بالغياب عن الاهتمام بالمنصب.
خيارات اليمين والمتطرفين وتحديات الحفاظ على الزخم السياسي
أما في حال استمرار نتنياهو في الحكم فسيواجه محصلة من التحديات في طيّات الواقع الحالي: إقناع الإسرائيليين بأن الحرب انتهت بنصر كامل، وتبرير عدم القبول بوقف إطلاق النار إلا بضغط غير مستند إلى الواقع السياسي؛ وهو ما تتعارض معه تصريحات ترامب نفسه وتدحضه الوقائع الميدانية بوجود حركة حماس لا تزال قادرة على التحدي. في المقابل، يجد اليمين المتطرف نفسه في مأزق بعد انتهاء الحرب، إذ فقد منصة التعبئة القومية التي كان يعول عليها في السابق، وهو ما يدفع قياداته إلى الحديث عن احتمال استئناف القتال أو اللجوء إلى خطوات مثل تسريع ضم الضفة الغربية، رغم معارضة ترامب لذلك. وتتصاعد المخاوف من احتمال قيام المستوطنين المتطرفين بإشعال مواجهة جديدة في الضفة الغربية لتعويض غياب الحرب في غزة، عبر تكثيف الاعتداءات على الفلسطينيين. هذه السياسات، وإن كانت قد ترضي القاعدة اليمينية المتشددة، إلا أنها لا تبدو كافية لرفع شعبيّة هؤلاء في إسرائيل.
مأزق الأحزاب الدينية والمتطرفين والتهديدات المحتملة
من جهة أخرى، تواجه الأحزاب الدينية المتشددة مأزقاً داخلياً بسبب قضية الإعفاء من التجنيد التي باتت محسومة في الوعي العام كقضية حساسة وشائكة، ما يجعل الاستجابة السياسية لهذا الملف شبه مستحيلة عملياً. لذا، هي تسعى للحفاظ على سلسلة من العلاقات داخل الائتلاف حتى لا تنهار، مع علمها بأن الاستمرار بهذا الشكل ليس خياراً طويل الأمد. أما المعارضة، فتبدو حتى الآن مقسّمة وتفتقر إلى قيادة مستقرة وموحدة، في حين يسعى نفتالي بينيت، الذي قاد حكومة قصيرة في عامي 2021 و2022، إلى تقديم نفسه كبديل أمام نتنياهو. وقد تصدر حزبه الجديد استطلاعات الرأي، لكن شعبيته لا تزال هشة وقابلة للتآكل مع اقتراب موعد الانتخابات. ورغم فضاءات الاستقطاب، ليس هناك رؤية معارضة حاسمة تقدم بديلاً حقيقياً عما تقوده حكومة نتنياهو، فالمعارضة إلى الآن تعبر عن رفض واضح لسياسته أكثر من تقديم مشروع سياسي بديل متماسك.
انعكاسات الحرب على سائر المشهد السياسي الإسرائيلي
الواضح حتى هذه اللحظة أن الانتخابات المقبلة قد تظل بعيدة عن أن تكون تحوّلاً حاسماً في الواقع السياسي الإسرائيلي. فحتى إذا نجح بينيت في توحيد معسكر المعارضة خلفه، فإن التباين في التوجهات بين أعضائه سيعوق قدرة الحزب على الحفاظ على تماسكه في وجه التحديات القائمة. في المقابل، يبدو الواقع السياسي بأن الحرب التي طالت أمدها وأثقلت كاهل المجتمع الإسرائيلي وداخلياً وخارجياً قد تؤدي إلى انفجار سياسي وشعبي، لكن طبيعته وأهدافه تبقى غير واضحة في ضوء تعقيدات المشهد. فلقد قدمت ذاكرة إسرائيلية تاريخية درساً مهماً بأن التغيير الجذري قد يأتي من نتائج الانتخابات، لكنها جاءت في ساحة التقييم والتقييم المستمر وليس في حدث واحد. فهل يمكن لحرب غزة أن تكون نقطة تحوّل مشابهة لما حدث عقب حرب أكتوبر 1973؟ الأجوبة ما تزال بعيدة وتتطلب متابعة دقيقة للمسار السياسي والاجتماعي في إسرائيل في الأشهر القادمة، في حين يستمر الشارع الإسرائيلي بمراقبة التحولات بقلق وترقب، وهو قلق قد يعيد تشكيل خطوط السياسة والائتلاف والهوية الوطنية في المستقبل المنظور.
الخلاصة غير النهائية للمسار السياسي بعد حرب غزة
بينما ينتظر الإسرائيليون وقياداتهم نتائج هذه الحرب وتداعياتها على السياسة الداخلية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل ستفرض حرب غزة تغييراً حقيقياً في معادلة القوة داخل الائتلاف وتعيد تشكيل مستقبل القيادات؟ أم ستستعيد البلاد إيقاعها السابق مع وجود عناوين جديدة للسياسات وخطط محتملة لاستدامة الحكومة حتى موعد الانتخابات؟ الإجابة ليست واضحة، فقد يظهر مسار سياسي مختلف يوصل إلى حلول مؤلمة أو إلى بدائل تفرض إعادة توازن في الساحة، وهذا رهين تصعيد الخلافات بين المعسكرات المختلفة وتفاعلها مع المتغيرات الدولية. وبشكل عام، يبقى التحدي الأبرز أمام إسرائيل هو تحويل هذه المرحلة من مرحلة مواجهة زمنية إلى فصل سياسي واقتصادي واجتماعي أكثر اتزاناً، مع الحفاظ على قدرة الدولة على مواجهة التحديات الإقليمية وضمان أمن مواطنيها في ظل معادلة إقليمية لا تزال تتغير من يوم إلى آخر، وفي ظل وجود حركة حماس لا تزال لاعباً قوياً في قطاع غزة. فالسؤال الذي يظل حيًا في الذاكرة العامة هو: إلى أين ستتجه حرب غزة في مشهد سياسي يعصف به التشرذم والصراع على القيادة؟ الجواب، كما يبدو، ما زال مجهولاً حتى اللحظة، لكن الفترة المقبلة كفيلة بإظهار ملامح المسار القادم، وربما بإعادة تشكيل الرؤية الإسرائيلية في المنطقة.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.

























