كتبت: فاطمة يونس
في إحدى محاضراتها، قدمت الدكتورة البرازيلية الشهيرة تجربة تعليمية تطرح أسئلة عميقة حول الحضور والانتماء. فور دخولها القاعة اتفقت مع الطلاب على لعبة بسيطة تقف عند لون دفتر الحضور: الأخضر هو الواقع، لكن الإجابة المتوقعة من الجماعة ستكون باللون الأحمر. دخل طالب متأخر وسُمح له بالدخول، ثم بدأت المعلمة بسؤال الطلاب عن لون دفاترهم فكان الرد أحمرًا، مع أن اللون الأخضر ظاهر وواضح للعيان. حينها قالت المعلمة الحكمة من الدرس، ثم أضافت أن ما فعله الطالب المتأخر لا يسهِّل فهم طبيعة البشر ولا يعزز الثقة بالنفس، بل يفضي إلى حوار صريح بين الرأي الفردي والالتزام الجماعي. وفي نهاية المطاف سألت المعلمة بأسلوب حاد: “لو كنت واثقًا من إجابتك ومن مبادئك لم تكن لتجارينا بل كنت ستصر على ما تراه صحيحاً، ولكنك رضخت للأغلبية مع أنها مخطئة خطأً واضحاً جلياً.” وهذه الكلمات أعادت قراءة التوتر بين الانفراد بالحق والامتثال للمجتمع. كما أشارت إلى أن البشر نوعان: نوع لديه عقيدة راسخة بأن الصواب لا يحتمل الانشقاق وبأنه وحدة واحدة، والنوع الآخر وهو الغالب مع الأسف لأنه النوع الذى لا يكلف نفسه أي عناء فهو مع المجموع والجماعة لأنه ليس لديه إيمان بنفسه ولا بمقدراته، بل إنه غير مدرك لأهميته كآدمي في حياة تستمد قيمها وأساسها من كل فرد فيها.
وقائع المحاضرة والتجربة التعليمية
تسّوق هذه المحاضرة مثالاً عملياً عن تأثير الضغوط الجماعية على الرأي الفردي. اللون الأخضر كان الحقيقة أمام الجميع، لكن الإجابة التي يشيعها الجمهور دوماً تود أن تكون أخرى. الطالب الذي تأخر في الدخول وجد نفسه أمام اختبار صريح بين ما يراه وما يراه الآخرون، وهو اختبار يتكرر خارج قاعة الدرس في أمكنة عدة من حياتنا اليومية. من خلال هذا الأسلوب، سعت المحاضرة إلى إبراز أن الصواب لا يحتاج إلى قبول جماعي، وإنما إلى ثبات في المبدأ حتى لو خسرنا دعم الأغلبية.
الدرس الأخلاقي ومفهوم القطيع
تؤكد الحكاية أن الثبات على مبادئنا في وجه التوافق الجماعي ليس انعزالاً بل اختياراً أخلاقياً. إذ تؤكد المعلمة أن هناك اختلافاً في طبيعة البشر: فئة تؤمن بأن الصواب يجب أن يبقى موحداً ولا يحتمل الانشقاق، وفئة أخرى تتساهل مع الرأي العام رغم مخالفته للحقيقة. الحوار الذي دار ينسج صورة دقيقة للإنسانيات: من يؤمن بذاته ويمتلك جرأة القول بالحق يواجه ضغوط المجتمع، وهو خيار لا يخلو من تبعات اجتماعية. وفي هذا الإطار، أشار النص إلى أن القوة الحقيقية تكمن في قدرة الفرد على التمييز بين صحة الرأي وصوت الجماعة.
تأثير الانصياع ونتائجه الاجتماعية
ربطت المحاضرة بين الدرس الأخلاقي وتداعياته على الواقع الاجتماعي في المنطقة. أشار الحديث إلى أن الاهتمام المفرط بوسائل التواصل الاجتماعي يخلق محاور جديدة من الانقسام وعدم الثقة، وقد يؤدي إلى فجوات أسرية واجتماعية أشد عمقاً من أي صراع علني. هذه التحولات، كما يلاحظ القارئ، تترك أثرها في طريقة تلقي الشباب للقيم الموروثة، وتدفع بعضهم نحو وسائل تواصل حديثة قد تقود إلى حد بعيد عن الدين والأخلاق التقليدية.
التحدي المعاصر للهوية والقيم في العالم العربي
كما يوحي موضوع المحاضرة، يسير العالم العربي نحو تحديات كبيرة في مواجهة التغيرات الحديثة. يرى بعض المعلقين أن الغرب يظهر وداً في العلن، بينما يحافظ في الخفاء على مصالح قد تعمق الفجوات الثقافية. في هذا السياق، يتكرر القول بأننا نقتل الكثير من جمالنا حين ننشغل بالمظهر الحدي وتجاهل القيم العميقة التي تشكل الهوية. وتبرز الدعوة إلى حماية الثوابت وامتصاص تأثيرات العصر بطريقة لا تفقدنا جذورنا وروح المجتمع.
إطار فكري حول القيم والهوية في مواجهة الحداثة
تختتم هذه الممارسة بطرح أسئلة حول مآلات الهوية والقيم في زمن تتسارع فيه وتيرة التغيير. تبرز الحاجة إلى توازن دقيق بين الانفتاح والتقويم، وبين احتراب الرأي الفردي واحترام الجماعة. فمع تبني بعض الحداثات، يسعى المجتمع إلى الحفاظ على معادلة منطقية تجمع بين الحضور الأخلاقي والقدرة على التكيف مع متطلبات العصر. في هذا السياق تبقى الدعوة إلى التفكير النقدي والوعي الذاتي كخيوط ربط رئيسية لضمان أن يبقى الإنسان فاعلاً في بناء حياة اجتماعية متوازنة تقوم على مبادئ ثابتة وتفاعل حضاري مستمر.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.















































































































