كتبت: سلمي السقا
تتنوع طبيعة الوجود الإنساني في حياة الأفراد، حيث ينقسم الأشخاص إلى نوعين؛ نوع يتمثل في أرواح حاضرة تترك أثرًا عميقًا رغم غياب أجسادها، ونوع آخر يمثل أجسادًا حاضرة لكن أرواحها غائبة ومنطفئة، مما يولد أزمة حقيقية في التواصل الإنساني.
الحضور والغياب في العلاقات الإنسانية
الأشخاص المؤثرون هم من نبني معهم روابط عاطفية قوية، ونشاركهم تفاصيل حياتنا، ونستمد منهم النصيحة، سواء كانوا قريبين منا بالمسافات أو رحلوا عن عالمنا وبقيت كلماتهم خالدة في الوجدان. في المقابل، يوجد الغائبون الحاضرون، وهم الأشخاص الذين يتواجدون جسديًا في محيطنا لكننا لا نشعر بوجودهم أو مشاركتهم الوجدانية، مما يجعل تأثيرهم في حياتنا منعدمًا.
أشكال الانفصال العاطفي داخل المجتمع والأسرة
تظهر أزمة التواصل في صور متعددة داخل المجتمع، مثل الزوج المهمل لزوجته، أو الأم التي تفتقر للتواصل العاطفي مع أبنائها، أو الصديق الذي لا يظهر إلا عند الحاجة. كما تتجسد هذه الأزمة داخل الأسرة الواحدة، حيث يعيش الأفراد تحت سقف واحد ولكن في عوالم منفصلة تفتقر للحوار الحقيقي والمشاعر المتبادلة.
جذور مشكلة التواصل داخل الأسرة
لا تكمن أزمة التواصل في قلة الحديث، بل في قلة المشاعر والدعم. ففي كثير من الأحيان، يقتصر حوار الآباء مع الأبناء على الأوامر والانتقادات بدلاً من التشجيع، مما يدفع الأبناء لتجنب مشاركة أحلامهم أو إخفاقاتهم. وبالمثل، قد تهتم الأم بالاحتياجات المادية وتغفل عن الاحتياجات العاطفية، كما قد يتحول الحوار بين الزوجين إلى مجرد قائمة من المطالب والواجبات دون تقدير أو دعم نفسي.
ضرورة الاحتواء والمشاركة الوجدانية
إن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في الأثر الذي يتركه وفي المشاعر الصادقة التي يمنحها، وليس في مجرد تواجده الجسدي. ويتطلب تجاوز هذه الأزمة تعلم الإنصات بالقلوب، واستبدال الانتقاد بالتشجيع، والأوامر بالحوار، لضمان أن تكون العلاقات مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، فالدعم والتقدير والكلمة الطيبة هي احتياجات إنسانية أساسية وليست رفاهية.



