كتب: إسلام السقا
قد تبدأ الواقعة في ثوانٍ معدودة، مشاجرة مفاجئة أو اعتداء مباشر يهدد حياة إنسان أو أحد أفراد أسرته، فيتصرف الطرف الآخر بسرعة فائقة لوقف هذا الاعتداء. ومع ذلك، قد تتغير الصورة تماماً بعد انتهاء الموقف، حيث يجد الشخص الذي كان يحاول حماية نفسه نفسه أمام جهات التحقيق بصفته متهماً. يبرز هنا مفهوم الدفاع الشرعي عن النفس، الذي منحه القانون في حالات محددة لمن يواجه خطراً غير مشروع، لكنه لم يترك هذا الحق بلا قيود، لضمان عدم تحول الدفاع إلى انتقام، أو تحول لحظة الخطر إلى مبرر لاستخدام القوة دون حدود.
شروط وجود الخطر الحقيقي
إن مجرد الشعور بالغضب أو الخوف لا يكفي لتمسك الشخص بحالة الدفاع الشرعي، بل يجب أن تكون هناك واقعة اعتداء أو خطر غير مشروع يهدد الشخص أو غيره بالفعل. وتنظر الجهات المختصة إلى طبيعة هذا الخطر ومدى جديته، وما إذا كان قائماً في الوقت الذي استُخدمت فيه القوة. ويرتبط الدفاع الشرعي بوجود خطر يستدعي التدخل الفوري لرده، وليس بمجرد توقع اعتداء قد يحدث في المستقبل.
استخدام القوة ودورها في دفع الخطر
يجيز القانون استخدام القوة اللازمة لوقف الاعتداء في حالات الدفاع الشرعي، ولكن الهدف الأساسي من هذا التصرف يجب أن يكون دفع الخطر وليس معاقبة المعتدي. وبناءً على ذلك، فإن تقدير التصرف لا ينفصل عن ظروف الواقعة، حيث يتم النظر إلى مدى خطورة الاعتداء وطبيعة القوة التي استخدمها الشخص في مواجهته.
لحظة انتهاء الخطر ونقطة التحول
تعد توقيتات استخدام القوة من أهم النقاط التي تحدد ما إذا كان التصرف يندرج تحت إطار الدفاع الشرعي أم لا. فإذا انتهى الاعتداء وزال الخطر، فإن الاستمرار في ضرب المعتدي أو ملاحقته بقصد الانتقام قد يخرج الواقعة من نطاق الدفاع الشرعي، خاصة إذا لم يعد هناك خطر يستوجب التدخل. وهنا تفرق الجهات المختصة بين الشخص الذي استخدم القوة لإيقاف اعتداء قائم، وبين من استمر في الاعتداء بعد انتهاء سبب الخطر.
حماية الأسرة والممتلكات
لا يقتصر الدفاع الشرعي على حماية الإنسان لنفسه فقط، بل قد يجد الشخص نفسه أمام اعتداء يستهدف أحد أفراد أسرته أو شخصاً آخر، وفي هذه الحالة يتم بحث مدى توافر الشروط القانونية للدفاع عن الغير وفقاً لظروف الواقعة. وتظل القاعدة الأساسية هي وجود خطر غير مشروع، وأن يكون التصرف مرتبطاً بدفع هذا الخطر في حدود الضرورة.
كما قد يمتد الدفاع الشرعي لحماية المال أو الممتلكات في الحالات التي يحددها القانون، إلا أن التعامل مع الاعتداء على المال لا يمنح صاحب المال حرية مطلقة في استخدام القوة، حيث تظل طبيعة الاعتداء وظروفه وجسامته وطريقة التصدي له من الأمور التي تخضع لتقدير الجهات المختصة عند فحص الواقعة.
التحول من ضحية إلى متهم
إن التحول من شخص يدافع عن نفسه إلى متهم لا يرتبط بمجرد استخدام القوة، بل بما إذا كان هذا الاستخدام قد استوفى الشروط القانونية أو تجاوزها. لذا، لا تُنظر الواقعة من زاوية واحدة، بل تُفحص تفاصيلها بدءاً من كيفية نشوب الاعتداء ومن بدأه، وصولاً إلى مدى استمرار الخطر وطبيعة رد الفعل، وما إذا كان الهدف هو دفع الاعتداء أم الانتقام.
دور التحقيقات والمحاكم في الفصل
تتولى جهات التحقيق فحص ملابسات الواقعة والاستماع إلى الأطراف والشهود، والاطلاع على الأدلة والتقارير الفنية لتحديد حقيقة ما حدث. وفي النهاية، يظل تقدير توافر شروط الدفاع الشرعي من اختصاص جهات التحقيق والمحكمة المختصة، التي تفصل في كل واقعة وفق ظروفها وأدلتها، حيث لا يمكن اعتبار مجرد ادعاء الدفاع عن النفس سبباً تلقائياً للإعفاء من المسؤولية.



