كتب: أحمد عبد السلام
لطالما ساد اعتقاد بأن سباقات الجري فائقة التحمل هي حكر على الرجال نظراً لما يتطلبه هذا النوع من الرياضات من قوة بدنية وصلابة، إلا أن الواقع الميداني بدأ يكتب فصلاً جديداً من التاريخ. ففي سباقات مثل "باركلي ماراثون"، التي تعد من أصعب التحديات عالمياً، كان هناك تشكيك كبير في قدرة النساء على الصمود، حيث صرح مدير السباق لازاروس ليك في عام 2015 بأن النساء لا يمتلكن الصلابة الكافية لإكمال هذه المسارات الشاقة.
لكن المشهد تغير بشكل جذري، حيث نجحت العداءة الاسكتلندية جاسمين باريس في كسر هذا الحاجز التاريخي، حين أنهت مساراً يمتد لـ 100 ميل قبل انتهاء الوقت المحدد بـ دقيقة و39 ثانية فقط، لتثبت أن التحدي ممكن. ولم تكن باريس وحدها، بل تبعتها أسماء مثل راشيل إنتركين التي حققت إنجازاً في سباق "مونتاني الصيفي"، وسوفي وودز التي حطمت الرقم القياسي في مسار "ألبين 1" باختصار زمن قدره ستة أيام بعد عبور ثماني دول في 29 يوماً.
فجوة السرعة تتقلص مع المسافات الطويلة
تشير البيانات الرياضية إلى ظاهرة لافتة؛ فبينما تبلغ الفجوة في السرعة بين الرجال والنساء حوالي 10% إلى 12% في سباقات الماراثون والمسافات القصيرة، يبدأ هذا الفارق في التلاشي تدريجياً كلما زادت المسافة. ووفقاً لتحليل بيانات استمر لأكثر من 20 عاماً، تقلصت الفجوة في سباقات الـ 100 ميل إلى 0.25% فقط، وفي المسافات التي تتجاوز 195 ميلاً، أصبح من الممكن أن تتفوق النساء على الرجال في السرعة.
ويعزو خبراء مثل البروفيسور آندي جونز من جامعة إكستر هذا التفوق المحتمل إلى ثلاثة عوامل فسيولوجية رئيسية: قدرة النساء العالية على حرق الدهون وتوفير طاقة مستقرة لفترات طويلة، امتلاكهن لنسبة أكبر من الألياف العضلية من النوع "بطيء الانقباض" التي تتميز بكفاءة عالية في استهلاك الأكسجين، بالإضافة إلى قدرتهن الفائقة على مقاومة التعب العضلي أثناء النشاطات الطويلة.
الصلابة النفسية والقدرة على التكيف
بعيداً عن العوامل البيولوجية، تلعب القوة الذهنية دوراً حاسماً في سباقات التحمل التي تتضمن الحرمان من النوم، والتعامل مع تضاريس قاسية، وظروف بيئية متطرفة. وتؤكد العداءة سوفي وودز أن النجاح لا يعتمد فقط على السرعة عند خط البداية، بل على الجاهزية النفسية والقدرة على الاستمرار عند مواجهة الأزمات، مثل مواجهتها لحرائق الغابات وأسراب الحشرات المزعجة أثناء رحلتها.
من جانبها، تشير إنجفيلد كاسبرسن، الفائزة بلقب سباق "UTMB"، إلى أن الدعم المتبادل والروح الجماعية بين العداءات يمثلان ركيزة أساسية للنجاح. وتضيف أن التدريب على "الحرب النفسية" والقدرة على مواجهة التقلبات الهرمونية التي تمر بها المرأة منذ سن البلوغ، تمنحها نوعاً من المرونة والقدرة على تحمل المشقة، وهو ما تصفه خبيرة التغذية ريني مكجريجور بـ "القدرة على إيجاد الحلول مهما كانت الظروف الصعبة".
التحديات والمستقبل في رياضة التحمل
رغم هذه الإنجازات، لا تزال نسبة مشاركة النساء في سباقات الماراثون فائقة التحمل منخفضة، حيث تشكل النساء حوالي 20% فقط من المشاركين. وتعود هذه الفجوة إلى عوامل اجتماعية، ومخاوف تتعلق بالوقت المطلوب للتدريب، ونقص الدعم في بعض المواقع. ومع ذلك، هناك حراك متزايد لتحقيق التوازن بين الجنسين، حيث بدأت بعض السباقات العالمية في تطبيق سياسات تضمن مشاركة متساوية للرجال والنساء.
إن ظهور نماذج ملهمة مثل إميلي فيرس، التي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتشجيع النساء على خوض هذه التحديات، يساهم في تغيير النظرة النمطية لقدرات المرأة. ومع تزايد الوعي والتمثيل النسائي، يتوقع الخبراء أن تشهد السنوات القادمة مزيداً من الأرقام القياسية التي ستعيد تعريف حدود القدرة البشرية في الرياضة.


