كتب: أحمد عبد السلام
تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب الشديد نتيجة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أدى إلى تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز. وقد انعكست هذه التوترات بشكل مباشر على أسعار النفط التي تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع قفزات حادة في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، مما يضع القارة العجوز أمام تحديات اقتصادية وصناعية جسيمة مع اقتراب شتاء 2026-2027.
وقد سجل خام برنت ارتفاعاً ملحوظاً متجاوزاً 100 دولار للبرميل في التاسع من سبتمبر، وهي المرة الأولى التي يصل فيها إلى هذا المستوى منذ شهر يوليو الماضي. وتأتي هذه الزيادة مدفوعة بالمخاوف المتعلقة بتدفقات النفط من منطقة الخليج، حيث ارتفع سعر برنت بنسبة تقارب 25% منذ بداية شهر أغسطس، في ظل تقديرات تشير إلى تأثر نحو 10 ملايين برميل يومياً من صادرات النفط بسبب اضطرابات المنطقة.
مضيق هرمز ونقطة الاختناق العالمية
يعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الحيوية لتجارة الطاقة في العالم، وتؤدي أي قيود مفروضة على حركة السفن فيه إلى مخاطر تتجاوز مجرد تأخير الشحنات، لتصل إلى تهديد إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتجهة من الخليج إلى الأسواق الدولية. ومع اتساع نطاق الهجمات لتطال ناقلات النفط والسفن التجارية، تزايدت المخاوف من ارتفاع علاوة المخاطر على الخام، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، مما سيؤثر لاحقاً على أسعار الوقود والنقل والصناعة في أوروبا.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الإمدادات، بل تمتد لتشمل تسعير الأسواق لاحتمالية استمرار الاضطرابات لفترات طويلة، خاصة في ظل تراجع المخزونات العالمية ومحدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، مما يقلل من قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات الجديدة.
ارتفاع قياسي في أسعار الغاز الأوروبي
شهد سوق الغاز الأوروبي تأثراً واضحاً بهذه الأزمة، حيث قفز عقد الغاز الهولندي «تي تي إف» للشهر المقبل إلى نحو 79 يورو لكل ميجاوات/ساعة، وهو أعلى مستوى يشهده منذ بداية عام 2023، بعد أن كانت الأسعار تحوم حول 40 يورو في شهر يوليو، ما يعني تضاعف الأسعار تقريباً في فترة وجيزة.
وتبرز حساسية أوروبا تجاه هذه الأزمة بسبب اعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي المسال القادم من منطقة الخليج، وتحديداً الغاز القطري. وتواجه القارة منافسة شرسة على شحنات الغاز المتاحة مع اقتراب موسم التدفئة وارتفاع الطلب المتوقع في القارة الآسيوية، في وقت تشير فيه البيانات إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي لا تتجاوز 65% من طاقتها، وهو مستوى منخفض يعد الأدنى خلال 15 عاماً.
تداعيات اقتصادية وصناعية واسعة
تتجاوز آثار ارتفاع أسعار الطاقة محطات الوقود لتصل إلى تكاليف تشغيل المصانع وقطاعات النقل والشحن، بالإضافة إلى إنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية. كما يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة تكلفة الكهرباء في الدول التي تعتمد على الغاز في توليد الطاقة. وفي حال استقرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار، من المتوقع أن تنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى أسعار البنزين والديزل والنقل الجوي والبحري، وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات النهائية.
ويشكل هذا السيناريو ضغطاً على الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل قطاعات المعادن والزجاج والكيماويات والأسمدة، حيث قد تضطر الشركات إما لرفع الأسعار أو تقليص حجم الإنتاج، مما يهدد النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية في ظل محاولات السيطرة على التضخم.
مخاوف من شتاء صعب وتحديات التضخم
تعيد أزمة هرمز إلى الأذهان المخاوف التي واجهتها أوروبا في أزمات الطاقة السابقة، ورغم أن القارة خفضت استهلاكها ووسعت اعتمادها على الطاقة المتجددة ومصادر بديلة، إلا أن انخفاض مستويات التخزين يجعل أي استمرار للاضطرابات أمراً خطيراً. وتحتاج أوروبا إلى ملء مخزوناتها قبل اشتداد الطلب الشتوي، وسط احتمالات دفع أسعار أعلى لجذب الشحنات العالمية.
وتمتد التداعيات لتشمل الاقتصاد الأوروبي بكامله، حيث يساهم ارتفاع النفط والغاز في رفع تكاليف النقل والكهرباء والصناعة، مما قد يدفع معدلات التضخم للارتفاع ويضع البنوك المركزية أمام قرارات معقدة بشأن أسعار الفائدة. وبذلك تتحول الأزمة من صراع جيوسياسي في الشرق الأوسط إلى عامل ضغط مباشر على استقرار الاقتصاد الأوروبي وقدرته على الموازنة بين تأمين الطاقة والنمو الاقتصادي.



