كتب: صهيب شمس
تشهد جماعة الإخوان الإرهابية حالة من التفكك المتزايد مع تعمق الانقسامات داخل صفوفها، حيث تحولت الخلافات التنظيمية المتراكمة إلى صراع مفتوح بين جبهات متعددة. هذا المشهد يعكس تراجع قدرة التنظيم على الحفاظ على قيادة موحدة قادرة على فرض رؤيتها على كافة عناصره وقواعده، مما أدى إلى ظهور تعدد في مراكز القيادة والخطابات المتباينة.
ولم يعد الخلاف محصوراً في مجرد وجهات نظر إدارية، بل تطور إلى صراع وجودي على الشرعية ومراكز النفوذ، بالإضافة إلى التنافس على الموارد المالية والمنابر الإعلامية. وتحاول كل جبهة من هذه الجبهات الحفاظ على شبكاتها التنظيمية وقواعدها ومصادر الدعم الخاصة بها، في ظل تحول جذري ظهرت ملامحه بوضوح في السنوات التي تلت ثورة 30 يونيو، نتيجة تراجع قدرة القيادة التقليدية على السيطرة على مختلف المكونات.
جبهة إسطنبول والتمسك بالهياكل التقليدية
تبرز جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين كواحدة من أهم القوى داخل التنظيم، حيث تمثل امتداداً للقيادات التقليدية والحرس القديم. وتتمسك هذه الجبهة باللوائح والهياكل التنظيمية الموروثة، وتعمل بمبدأ السمع والطاعة، وترفض أي تغييرات قد تؤدي إلى إعادة تشكيل بنية التنظيم أو تقليص نفوذ القيادات التاريخية.
وتعتمد هذه الجبهة في استمراريتها على ما تمتلكه من موارد مالية ومنابر إعلامية وشبكات تنظيمية، مع اتباع خطاب يتسم بالحذر تجاه التطورات الإقليمية والدولية، خاصة مع المتغيرات الناتجة عن التقارب المصري التركي وتأثير ذلك على نشاط العناصر في تركيا. وتستند استراتيجية هذه الجبهة إلى الانتظار والاحتفاظ بالقدرات التنظيمية، مع الرهان على حدوث متغيرات سياسية أو اقتصادية أو إقليمية تتيح عودة الجماعة للمشهد، بالتوازي مع دعم أسر السجناء والسيطرة على مفاصل القرار.
مسار جبهة لندن والنشاط الاجتماعي
في المقابل، تسلك جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق مساراً مغايراً، حيث تركز بشكل أساسي على النشاط الدعوي والاجتماعي والتربوي. وتتبنى هذه الجبهة نهجاً يبتعد عن المواجهات السياسية المباشرة، وذلك في محاولة منها للحفاظ على التنظيم وإعادة بناء قواعده وشبكاته عبر أنشطة ممتدة في عدد من الدول المختلفة.
تيار الكماليين والسعي لتغيير القيادة
من جانب آخر، يظهر ما يعرف بالمكتب العام أو «الكماليون» كتيار يرفض القيادة التقليدية، ويميل نحو تبني خطاب أكثر تصعيداً. ويطرح هذا التيار رؤية شاملة تقوم على ضرورة إعادة هيكلة التنظيم وتجديد قياداته، وفتح المجال أمام العناصر الشابة، مع رفض استمرار الأساليب التنظيمية القديمة ومبدأ السمع والطاعة المطلقة.
ويعكس هذا الصراع بين الجبهات خلافاً عميقاً حول مستقبل الجماعة؛ فبينما تتمسك جبهة إسطنبول بالهيكل التاريخي، تركز جبهة لندن على العمل الاجتماعي، ويدفع الكماليون نحو تغيير هيكلي واسع. ولم يعد التنافس مقتصرًا على المناصب، بل امتد ليشمل الموارد والقدرة على التأثير في القواعد، مما ينذر بانتقال الجماعة من نموذج التنظيم الموحد إلى حالة التعدد التنظيمي والسياسي، ويضع مستقبلها أمام صراع داخلي طويل الأمد.



