كتب: صهيب شمس
يطرح التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشركات التي تعتمد نماذج أعمالها على بيع المعلومات. فبينما يخشى البعض من قدرة هذه التقنيات على تلخيص وتجميع كميات هائلة من البيانات بشكل فوري، يتبنى الملياردير بيل أكمان رؤية مغايرة تماماً، حيث يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل قوة دافعة لزيادة قيمة بعض الشركات التقليدية بدلاً من تهديدها.
وفي هذا السياق، أضافت شركة بيرشينج سكوير التابعة لأكمان شركة Intercontinental Exchange، المعروفة اختصاراً بـ ICE والمالكة لبورصة نيويورك، إلى محفظتها الاستثمارية. وتضم هذه المحفظة أيضاً شركات كبرى مثل نتفليكس، وفيزا، وماستركارد، وألكون، وإس آند بي جلوبال. ولا تقتصر مراهنة أكمان على زيادة معاملات سوق الأسهم فحسب، بل تنطلق من فرضية أن الذكاء الاصطناعي سيضيف قيمة استثنائية للبيانات المالية الحصرية التي تمتلكها ICE، نظراً لأن معظم هذه البيانات لا يمكن استخراجها من الإنترنت أو إعادة إنتاجها بواسطة روبوتات الدردشة.
قيمة البيانات الخاصة في عصر الذكاء الاصطناعي
تتجاوز أنشطة شركة ICE مجرد امتلاك بورصة نيويورك، فهي تدير بورصات العقود الآجلة ومراكز المقاصة، وتبيع بيانات الدخل الثابت، والتحليلات، وخدمات الاتصال، وتقنيات الرهن العقاري. ومع توجه المؤسسات المالية نحو تبني الذكاء الاصطناعي، تبرز حاجة ملحة للمستثمرين المحترفين إلى بيانات مرجعية وأسعار موثوقة ومعلومات مرخصة يمكن تتبع مصدرها بدقة.
هذا الاحتياج قد يؤدي إلى ظهور ما يسمى بـ "علاوة الندرة" حول مجموعات البيانات الخاصة. وقد أشار جيف سبريتشر، الرئيس التنفيذي لشركة ICE، إلى أن معلومات الشركة هي بيانات لا يمكن كشطها أو توليفها برمجياً. وتعمل الشركة بالفعل على تطوير تقنيات تجعل هذه البيانات قابلة للاستخدام في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك خادم بروتوكول سياق النموذج الذي يتيح إدراج معلومات ICE المنظمة في العمليات الذكية للعملاء مع ضمان حقوق الاستخدام ومسارات التدقيق.
مؤشرات نمو قوية وأرقام مالية متصاعدة
تعزز الأرقام المالية التي حققتها الشركة فرضية أكمان، حيث أبلغت ICE عن إيرادات صافية بلغت 2.7 مليار دولار في الربع الثاني، بزيادة قدرها 5% على أساس سنوي. كما وصلت الأرباح المخففة المعدلة للسهم إلى 1.90 دولار، محققة نمواً بنسبة 5%.
والأهم من ذلك بالنسبة لفرضية الذكاء الاصطناعي هو نمو الإيرادات المتكررة بنسبة 8% لتصل إلى 1.35 مليار دولار. وحققت خدمات بيانات الدخل الثابت مبيعات بقيمة 645 مليون دولار، بزيادة قدرها 8%، بينما نمت الإيرادات المتكررة داخل هذا القطاع بنسبة 10% لتصل إلى 531 مليون دولار. كما رفعت الشركة توقعاتها لنمو الإيرادات المتكررة السنوية لقطاع خدمات بيانات الدخل الثابت لتتراوح بين 7% و8%.
وعلى صعيد التدفقات النقدية، أنتجت الشركة تدفقاً نقدياً تشغيلياً بقيمة 3.3 مليار دولار حتى شهر يونيو، وتدفقاً نقدياً حراً معدلاً بقيمة 2.6 مليار دولار. كما رفع مجلس الإدارة مؤخراً صلاحية إعادة شراء الأسهم إلى 4 مليارات دولار بدءاً من الأول من يوليو.
أبعاد جديدة للمراهنة على البنية التحتية
تتضمن مراهنة أكمان أبعاداً أخرى تتعلق بكيفية استهلاك المعلومات المالية. فقد أعلنت ICE عن خطط لإنشاء عقود آجلة مرتبطة بحوسبة وحدات معالجة الرسومات (GPU)، مما يعامل قدرة المعالجة كأصل يمكن التحوط ضده. وهذا يفتح الباب أمام احتمالية تحقيق الشركة لأرباح من استخدام الذكاء الاصطناعي ومن عدم الاستقرار الاقتصادي الذي قد تنتجه هذه التكنولوجيا أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، وسعت الشركة بنيتها التحتية المادية للأسواق المؤتمتة، حيث ضاعفت سعة الموقع المشترك في مركز بيانات ماهوا بولاية نيوجيرسي منذ عام 2020 لمواجهة الطلب المتزايد على الاتصال منخفض التأخير وقدرات الحوسبة.
مخاطر وتحديات تواجه الاستثمار
رغم هذه الرؤية، لا تعني منطق أكمان أن الذكاء الاصطناعي سيجعل ICE أكثر قيمة بشكل حتمي. فهناك مخاطر تتمثل في احتمال قيام المؤسسات المالية بالضغط لخفض أسعار البيانات، أو ظهور مجموعات بيانات منافسة. كما يواجه قطاع تكنولوجيا الرهن العقاري في الشركة تحديات خاصة به، بعيداً عن الذكاء الاصطناعي.
وتواجه الشركة أيضاً منافسة من مالكي بورصات آخرين مثل مجموعة CME وNasdaq. ومع ذلك، يتميز استثمار أكمان عن الرهانات الأخرى في وول ستريت بأن الشركة لا تحتاج لبناء أكبر نموذج لغوي أو إنفاق مليارات الدولارات على وحدات معالجة الرسومات، بل تمتلك البنية التحتية والمعلومات التي ستزداد حاجة أنظمة الذكاء الاصطناعي للوصول إليها.



