كتبت: سلمي السقا
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة عمل جماعة الإخوان الإرهابية، حيث انتقلت من نموذج التنظيم المغلق التقليدي إلى نمط أكثر تعقيداً يعتمد على العمل عبر شبكات عابرة للحدود. هذا التحول الجديد يستفيد بشكل أساسي من المنصات الرقمية وتداخل المصالح المالية والإعلامية، مما يفرض واقعاً مختلفاً عما كان سائداً في السابق.
وأشار المفكر والباحث في شؤون الحركات المتطرفة، ثروت الخرباوي، إلى أن تراجع البنية التنظيمية التقليدية للجماعة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تحولات هيكلية وميدانية أدت إلى ظهور نمط يعتمد على تعدد مراكز التأثير بدلاً من القيادة المركزية الواحدة، حيث تتحرك الموارد والمنصات في مسارات متوازية دون معرفة كاملة بجميع تفاصيل العلاقات الرابطة بين الأطراف.
صراعات المال وتفكك البنية التنظيمية
أوضح الخرباوي أن الصراعات المالية والانقسامات العلنية التي طفت على سطح المشهد بين قيادات الجماعة، بما في ذلك الخلافات المرتبطة بجبهة محمود حسين، ساهمت بشكل مباشر في إضعاف البنية التنظيمية. هذه النزاعات أفقدت الجماعة قدرتها على الحفاظ على مفهوم الجسد الواحد، وأضعفت مرجعية المرشد ومكتب الإرشاد التي كانت تمثل الركيزة الأساسية للتنظيم.
هذا التفتت أدى إلى نشوء حركة أكثر مرونة تعتمد على شبكات لا ترتبط بمركز قرار موحد، مما يجعل المصالح والموارد تعمل بشكل مستقل وموازٍ، وهو ما يعقد عملية تتبع المسارات التقليدية التي كانت تتبعها الجماعة في السابق.
الدور الرقمي والنشاط الإعلامي العابر للحدود
تعد المجموعات الإعلامية التي تنشط من خارج مصر، وتحديداً من تركيا ولندن، جزءاً أصيلاً من هذا المشهد الجديد. حيث يتداخل النشاط الإعلامي بشكل وثيق مع شبكات التمويل الرقمي، مستفيداً من التطور التكنولوجي الذي وفر أدوات متقدمة للتواصل والحشد، ونقل الأموال والمعلومات عبر الحدود الدولية بسهولة وسرعة.
ويعتمد ما يمكن وصفه بالشبكة الجديدة على نقاط اتصال متفرقة تجمع بين المال والإعلام ومصالح متنوعة، مما يجعل تحديد مركز واحد لاتخاذ القرار أو رسم خريطة دقيقة للعلاقات الداخلية أمراً في غاية الصعوبة، نظراً لطبيعة العمل الشبكي الذي تتسم به هذه المجموعات.
آليات التكيف واستمرارية الأفكار
رغم التحول من الهياكل الهرمية إلى الأشكال الأكثر مرونة، يرى الخرباوي أن الخبرة التاريخية للجماعة في العمل السري تمنح بعض عناصرها قدرة على التكيف مع هذه التحولات الجديدة. وحذر من أن غياب القيادة الموحدة أو تراجع الهيكل التقليدي لا يعني بالضرورة تلاشي تأثير الجماعة.
فالأفكار والشعارات المرتبطة بالجماعة لا تزال قابلة لإعادة الاستخدام في سياقات مختلفة، حيث يتم توظيف مفهوم المظلومية كأداة تعبوية عبر المنصات الرقمية. ويبرز خطاب رابعة كنموذج للشعارات التي يمكن استدعاؤها لحشد المؤيدين وإعادة إنتاج حالة الاستقطاب في المجتمع.
تحديات المواجهة وآليات الرصد الجديدة
خلص البحث إلى أن التحدي الراهن لم يعد يقتصر على مواجهة تنظيم هرمي بقمة محددة، بل أصبح يتطلب فهم طبيعة الشبكات العابرة للحدود التي تتشابك فيها المنصات الإعلامية مع المصالح المالية والأدوات الرقمية. وهذا الواقع الجديد يفرض ضرورة اعتماد آليات جديدة للرصد والتحليل، بحيث تركز هذه الآليات على تفكيك شبكات المصالح والعلاقات المعقدة، بدلاً من الاكتفاء بتتبع الهياكل التنظيمية التقليدية.



