كتب: إسلام السقا
شهدت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعات موسعة للمكتب التنفيذي ومجلس إدارة الغرفة التجارية العربية الفرنسية، برئاسة راوول ديلامار، حيث تركزت المباحثات حول وضع اللمسات النهائية للقمة الاقتصادية العربية الفرنسية للقطاع الخاص. ومن المقرر أن تُعقد هذه القمة في باريس يومي 9 و10 ديسمبر المقبل، برعاية فخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وقد شارك في هذه الاجتماعات الدكتور خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، إلى جانب نخبة من القيادات الاقتصادية، من بينهم سمير ماجول رئيس اتحاد الغرف العربية ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني رئيس اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي ورئيس غرفة قطر، والعين خليل الحاج توفيق رئيس غرفة تجارة الأردن، وريان كنعان الأمينة العامة للغرفة التجارية العربية الفرنسية، بالإضافة إلى أعضاء مجلس الإدارة من الجانبين العربي والفرنسي ومجموعة من كبار المستثمرين ورجال الأعمال.
تحول استراتيجي من الحوار إلى الشراكات الاستثمارية
أكد الدكتور خالد حنفي أن القمة المرتقبة تهدف إلى بناء منصة واسعة للقطاع الخاص في كلا الجانبين، سعياً لتحويل العلاقات التاريخية بين العالم العربي وفرنسا من مجرد حوار وتواصل إلى شراكات استثمارية ومشروعات فعلية قابلة للتنفيذ. وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي في توقيت حساس يشهد فيه الاقتصاد العالمي والمنطقة تحولات جيوسياسية واضطرابات في مجالات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وشدد حنفي على ضرورة أن تخرج القمة بنتائج ملموسة تتمثل في عقود ومشروعات وشراكات حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بإصدار البيانات والتوصيات، مؤكداً على أهمية انتقال العلاقات من قوة التاريخ إلى قوة المصالح والاستثمار المشترك.
تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها على الاستثمار
تصدرت التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط نقاشات الاجتماعات، خاصة مع ما أحدثته الاضطرابات في الملاحة وتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز من ضغوط على أسواق الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، وهو ما انعكس على الاقتصادات العربية والأوروبية. وأوضح حنفي أن هذه التطورات تمنح القمة أهمية مضاعفة، ليس فقط لمناقشة تداعيات الأزمات، بل لبناء شراكات تمكن الشركات والاقتصادات من التعامل مع هذه التحديات والاستعداد للمرحلة القادمة.
وأضاف أن الأزمات الحالية تعيد رسم خريطة الاستثمار وسلاسل الإمداد وتكلفة رأس المال، مما يستوجب تحويل الشراكة العربية الفرنسية إلى ركيزة أساسية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود.
ملفات حيوية وفرص في قطاعات استراتيجية
ستركز القمة على فتح آفاق جديدة في قطاعات ذات أولوية قصوى، تشمل الطاقة والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والبنية التحتية، والنقل واللوجستيات. كما ستكون ملفات إعادة الإعمار على رأس أجندة الاجتماعات نظراً للاحتياجات الكبيرة التي تواجهها اقتصادات المنطقة.
ودعا حنفي إلى تغيير النظرة التقليدية لإعادة الإعمار، بحيث لا تُعتبر مجرد عملية لتعويض الخسائر، بل فرصة لبناء اقتصادات أكثر إنتاجية واستدامة ومنافسة. كما شدد على ضرورة تقديم القطاع الخاص لمشروعات واضحة وقابلة للتمويل (Bankable Projects) مع ضمان توزيع عادل للمخاطر بين الحكومات والمؤسسات التمويلية والمستثمرين.
مبادرات لتعزيز الاستثمار وإدارة المخاطر
دعا الأمين العام لاتحاد الغرف العربية إلى إطلاق "بنك المشروعات العربية الفرنسية" (Arab-French Project Pipeline)، ليكون محفظة تضم فرصاً استثمارية جاهزة للدراسة والتمويل في قطاعات الإسكان، والصحة، والمياه، والطاقة، والنقل. كما اقترح إنشاء آلية عربية فرنسية لضمان مخاطر الاستثمار في مشروعات التعافي، مما يساهم في تقليل المخاطر وتشجيع البنوك والمؤسسات التمويلية على المشاركة.
وأوضح أن التحدي الأكبر في الاقتصادات الخارجة من النزاعات ليس نقص الفرص، بل ارتفاع تكلفة التمويل والمخاطر، مؤكداً أن تقاسم المخاطر (Risk Sharing) هو المفتاح لجذب التدفقات الاستثمارية الكبرى، وأن المطلوب هو بناء آليات تجعل المخاطر قابلة للإدارة والتوزيع.
الانتقال نحو تنفيذ الصفقات وتحقيق الاستقرار
شدد حنفي على ضرورة تحول دور الغرفة التجارية العربية الفرنسية من "غرفة علاقات" تقوم بالتعارف (Networking)، إلى منصة تنفيذ (Execution) تهدف إلى صناعة الصفقات وربط المستثمرين بالمشروعات ومصادر التمويل. وأشار إلى أن اتحاد الغرف العربية يمكنه لعب دور حيوي في ربط الفرص العربية بالخبرة والتكنولوجيا الفرنسية والأوروبية.
واختتم بالتأكيد على أن الاستقرار هو الشرط الأساسي لنجاح الاستثمار والتعافي، داعياً المجتمع الدولي وفرنسا إلى تكثيف الجهود لتحقيق وقف دائم وشامل لإطلاق النار، مشيراً إلى أن استقرار المنطقة العربية هو جزء لا يتجزأ من استقرار الاقتصاد العالمي، والهدف هو تحويل الشراكة من إدارة الأزمات إلى صناعة فرص ما بعد الأزمة.



