كتب: كريم همام
شهدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) تحولاً جذرياً في نهجها وعقيدتها الأمنية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001. فقد انتقلت الوكالة من ممارسة مهام التجسس التقليدي وجمع أسرار الدول إلى إدارة عمليات القتال المباشر والقيام ببناء السجون السرية.
ومع حسم المواجهة الأولى في أفغانستان، سارعت إدارة الرئيس جورج بوش الابن في نهاية العام نفسه إلى توجيه بوصلة ما عُرف بـ "الحرب على الإرهاب" نحو الساحة العراقية. وأصبح نظام صدام حسين هو الهدف المحوري للسياسة الأمنية الأمريكية، رغم افتقار الأجهزة الأمنية في واشنطن لأي أدلة تثبت وجود صلة بين بغداد وتنظيم القاعدة، أو تؤكد استمرار العراق في تطوير أسلحة دمار شامل بعد حربه مع إيران.
دور الاستخبارات في تبرير الخيار العسكري
أمام إصرار البيت الأبيض على الخيار العسكري، كُلفت الاستخبارات الأمريكية بمهام ميدانية لجمع أي معلومات تدين الترسانة العراقية. إلا أن التقارير التي رفعها ضباط كبار بالوكالة، ومن بينهم فاليري بليم وروبرت غرينيه، أكدت بوضوح خلو العراق من تلك الأسلحة.
ورغم هذه النتائج القاطعة، تعاملت قيادة الوكالة مع هذه التقييمات باعتبارها معلومات بلا قيمة. واتجهت القيادة نحو استبعاد المحللين المعارضين لمسار الحرب، واستبدالهم بعناصر تتماشى تقاريرهم مع التوجه السياسي للإدارة الأمريكية، مما أدى في النهاية إلى صياغة تقرير ملفق قدمه وزير الخارجية كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي لبناء ذريعة للغزو وتضليل الرأي العام العالمي.
شهادات مزيفة ومصادر غير موثوقة
استندت واشنطن في إحكام روايتها الكاذبة إلى شهادات ومصادر غير موثوقة، وكان من أبرزها ادعاءات المهندس العراقي المنشق رافد علوان، المعروف حركياً بـ "كيرف بول"، وهي الادعاءات التي أثبتت التقييمات اللاحقة للمحللين كذبها كلياً.
وفي سياق متصل، تعمدت إدارة بوش تجاهل النتائج التي توصل إليها الدبلوماسي جوزيف ويلسون، والذي أثبت بطلان المزاعم المتعلقة بسعي العراق لشراء اليورانيوم من النيجر بهدف تصنيع سلاح نووي.
غزو العراق والنتائج الميدانية
توج هذا التجاهل بتضمين الرئيس الأمريكي تلك الادعاءات الزائفة في خطاب الاتحاد لعام 2003، لتنطلق بعد ذلك عمليات الغزو دون تفويض أممي. وقد خاضت الولايات المتحدة احتلالاً دام سنوات طويلة، دون العثور على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل التي أُريقت الدماء باسمها.


