🔴 عاجل: جاري تحديث أحدث الأخبار...     |       🟢 تكنولوجيا: آبل تمنح ملايين مستخدمي آيفون سنة إضافية مجانية للأمان     |       ⚽ رياضة عالمية: هجوم سان دييغو ستيت يعجز عن مجاراة الدفاع أمام UCLA     |     
عالم وعرب

كيف صاغت الجماعة عقلاً جمعياً ينتظر المعجزات؟

كيف صاغت الجماعة عقلاً جمعياً ينتظر المعجزات؟

كتب: إسلام السقا

لطالما حاولت جماعة الإخوان تقديم نفسها كحركة إسلامية تحترم العقل والمنطق، وحرص خطابها المعلن على انتقاد ما تصفه بالخرافات الصوفية. ومع ذلك، تكشف مراجعة أدبيات الجماعة والحكايات المتداولة بين أعضائها عن مفارقة حادة بين هذا الخطاب وبين الممارسات التي أسهمت في تشكيل عقل جمعي يتقبل الروايات الخارقة للعادة، ويربط بين الانتصار السياسي والتأييد الغيبي.

ويظهر هذا التناقض بوضوح خلال الأزمات، حيث لجأ بعض المنتمين إلى تفسيرات غيبية للأحداث، ومنها المقولة التي ترددت عقب سقوط حكم الجماعة بأن من "ولّاه" الله سيتولاه، في إشارة إلى الاعتقاد بأن وصولهم للحكم كان بتدبير إلهي مباشر، مما يجعل الدفاع عنهم أمراً إلهياً.

الفرق بين العقل الفردي والعقل التنظيمي

يوضح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، طارق أبو السعد، وجود فارق جوهري بين العقل الفردي لعضو الجماعة وبين العقل الجمعي للتنظيم. فبينما قد يكون الفرد مثقفاً وعقلانياً، يقوم التنظيم بصناعة منظومة مغلقة من الأفكار والتأويلات تنتج عقلاً جمعياً له آليات مختلفة تماماً في تفسير الواقع.

ويرى أبو السعد أن بناء الشخصية التنظيمية يعتمد على تقديم نماذج قيادية تمتلك تأييداً خاصاً، سواء عبر الأحلام أو ما يسمى بالكرامات والحكايات الشفهية، مما يجعل العضو مستعداً لتقبل الأحداث باعتبارها نتاج تدخلات غيبية.

روايات خوارق القادة في أدبيات الجماعة

تعد قصة مؤسس الجماعة حسن البنا، الواردة في كتاب "الإخوان.. أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبد الحليم، نموذجاً لهذه الروايات. حيث تذكر القصة أن البنا رأى في منامه رجلاً يمنحه كتاب الامتحان ويرشده لصفحات محددة، ليستيقظ ويجد نفسه قد حفظها، لتأتي أسئلة الامتحان مطابقة لما رآه في المنام، مما مكنه من الحصول على المركز الأول.

وتسهم هذه الروايات في ترسيخ صورة القائد المحاط بالعناية الإلهية، مما يحول النجاح الشخصي إلى أداة لبناء الثقة المطلقة في القيادة. كما تنتشر قصص أخرى تتعلق بالقدرات الاستثنائية، مثل رواية تدريبات عام 1948، التي تزعم أن مجموعة من المتدربين تاهت في الجبال، فسمعوا صوت حسن البنا يرشدهم للطريق، وهو ما اعتبره أتباع القصة دليلاً على قدرته الخارقة.

تناقض القدرات المزعومة والواقع الأمني

يثير أبو السعد تساؤلاً منطقياً حول حدود تلك القدرات المزعومة، خاصة وأن تاريخ الجماعة شهد وقوع حوادث أمنية وضبط أعضاء أثناء تدريبات سرية، وهو ما يتناقض مع فكرة وجود قدرات خارقة قادرة على التحذير المسبق. ويعتبر أن الاستناد لهذه الحكايات يهدف لإضفاء هالة استثنائية على القيادة، وهي آلية تستخدمها التنظيمات المغلقة لصناعة رموز لا تخضع للنقد.

ومن الروايات الأخرى، قصة العضو مصطفى المغير الذي ادعى أثناء تحقيقه في سجن القلعة عام 1965 أنه سمع حديثاً بين ضابط وعضو آخر عبر "إلهام من الله"، بعد أن تبين لاحقاً أن الشخص الذي سمع عنه لم يكن موجوداً في ذلك المكان أصلاً.

من الكرامات إلى حكايات الجن

تصل الروايات داخل بعض الدوائر إلى مستويات أكثر غرابة، مثل الحكايات التي تنسب للمربي علي نويتو، والتي تزعم أنه كان يترك مساحات خالية في المجالس التنظيمية لمخاطبة "إخوان من الجن"، مدعياً وجود مسؤول لهم. وتكشف هذه الحكايات عن بيئة ذهنية تغيب فيها آليات التحقق والنقد، حيث يصبح النقل عن القيادات كافياً لتحويل الرواية إلى حقيقة.

إن هذه المنظومة التربوية تعمل على بناء تفسير كامل للواقع، يبدأ بتعظيم القيادة، ثم قبول الروايات الاستثنائية، وصولاً إلى تفسير الأزمات باعتبارها محناً واختبارات، والبحث عن إشارات غيبية تبشر بالنصر. وتكمن الخطورة في تحول هذا الإيمان من الجانب الروحي إلى انتظار تدخل خارق يغير الواقع السياسي، مما يمنع العضو من مراجعة أفكاره أو خياراته عند الهزيمة.

مواجهة العقل التنظيمي المغلق

يؤكد الباحث أن المواجهة الحقيقية مع هذا الفكر لا تقتصر على نقد الرواية أو السخرية منها، بل في كشف الآلية التي تجعل الإنسان يتخلى عن التفكير النقدي لصالح رواية جاهزة. فبمجرد أن يصبح القائد فوق النقد، والجماعة فوق المراجعة، والحكاية فوق الدليل، يتحول العقل التنظيمي إلى عقل مغلق تماماً مهما كان خطابهم المعلن عن المنطق.

شكراً لمتابعتكم شبكة الفَرَما نيوز، مصدركم الأول للأخبار الحصرية والتقارير الموثوقة.

شارك الخبر: