كتب: صهيب شمس
لم تكن المواجهة بين جماعة الإخوان الإرهابية والدولة المصرية وليدة اللحظة التي وصلت فيها الجماعة إلى الحكم عام 2012، كما لم يكن سقوطها في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013 نهاية لخلاف سياسي عابر بين جماعة وحكومة. بل جاءت هذه المواجهة تتويجًا لمسار طويل حملت خلاله الجماعة مشروعًا يتجاوز حدود العمل السياسي التقليدي، مما وضع التنظيم بما يملكه من بنية داخلية ومرجعيات ووسائل للولاء في مواجهة الدولة ومؤسساتها كلما اصطدمت أهدافه بقواعد النظام العام.
تأسيس التنظيم ومنطق الولاء والبيعة
تبدأ القصة من سؤال جوهري حول ما يحدث عندما يوجد تنظيم عقائدي له قيادته الخاصة، ودرجاته التنظيمية، وآليات السمع والطاعة والبيعة، داخل دولة يفترض أن يكون الدستور والقانون والمواطنة فيها هي المرجعية الوحيدة للحياة العامة. ومنذ تأسيس حسن البنا للجماعة عام 1928، لم يتشكل التنظيم كحزب سياسي تقليدي يطرح برنامجًا ويتنافس على أصوات الناخبين، بل نشأ كتنظيم ذي طبيعة دعوية وفكرية وحركية.
اتسع مشروع التنظيم ليشمل تصورات تتجاوز الحدود المصرية، وصولاً إلى أفكار ارتبطت بوحدة المسلمين واستعادة الخلافة، ثم مفهوم أستاذية العالم وفق الأدبيات الإخوانية. وهنا ظهر الفارق الجوهري بين منطق الدولة القائم على رابطة المواطنة، ومنطق التنظيم القائم على رابطة عضوية خاصة لها مستويات من الالتزام والسمع والطاعة، حيث لم تكن البيعة مجرد تعبير رمزي، بل جزءًا من منظومة تمنح القيادة قدرة على توجيه الأعضاء والحفاظ على تماسك البناء الداخلي.
التحول نحو العمل السري واغتيال النقراشي
مع اتساع التنظيم، أصبح السؤال عن حدود الولاء حاضرًا بصورة دائمة، خاصة عند تعارض مصلحة التنظيم مع قرار الدولة. وقد كشفت العلاقة عن وجه صدامي مع ظهور النظام الخاص، وهو الجهاز السري المسلح الذي ارتبط بالإخوان في أربعينيات القرن الماضي، لينقل الجماعة من المجال الدعوي والسياسي إلى امتلاك تنظيم سري قادر على استخدام القوة خارج الإطار المؤسسي للدولة.
وقد فجر اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر 1948 خطورة هذا التحول، حيث تجاوز الصراع المنافسة السياسية إلى استخدام العنف ضد رموز الدولة. وبعد سنوات، دخلت المواجهة مرحلة أكثر حدة مع حادث المنشية عام 1954 ومحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، مما فتح فصلًا جديدًا من الصدام حول ما إذا كانت الجماعة تسعى لتكون جزءًا من النظام السياسي أم لإعادة تشكيله وفق مشروعها الخاص.
المفاهيم الفكرية والتنظيم الدولي
تطور الفكر الإخواني ببروز كتابات سيد قطب التي حملت مفاهيم مثل الجاهلية والمفاصلة والعزلة الشعورية، وهي مفاهيم أعادت جماعات جهادية توظيفها لتقديم المجتمع والدولة كحالة انحراف تستوجب التغيير الجذري. وبذلك انتقلت الخصومة من معارضة سلطة سياسية إلى إعادة تعريف المجتمع، واعتبار الدولة عقبة أمام المشروع.
ولم يتوقف المشروع عند الحدود المصرية، بل تطور إلى شبكة من الامتدادات عبر مفهوم التنظيم الدولي، مما جعل الجماعة قادرة على نقل صراعاتها إلى ساحات خارجية، واستخدام شبكات إعلامية وسياسية وحقوقية دولية لإدارة معاركها، محولة الأزمة من شأن داخلي إلى معركة متعددة المسارات تهدف لصناعة ضغط دولي على الدولة المصرية.
الحرب الإلكترونية والتحول نحو العنف المسلح
بعد عام 2013، ومع خروج نشاط الجماعة إلى الخارج، اتسع استخدام المنصات الإلكترونية لتقديم رواية معادية للدولة تعتمد على الشائعات والأخبار المضللة والمقاطع المجتزأة. وكان الهدف من تكرار هذه الرسائل السلبية هو خلق حالة من الشك العام وإضعاف ثقة المواطن في مؤسسات دولته، بالتوازي مع حملات تشويه ممنهجة ضد الشخصيات التي واجهت هذا الخطاب.
والأخطر من ذلك كان انتقال الصراع من أدوات السياسة والإعلام إلى العنف المسلح مع ظهور تنظيمات مثل حسم ولواء الثورة، والتي ارتبطت بعمليات استهدفت قوات الأمن والقضاء والمنشآت التابعة للدولة. وبذلك انتقلت المعركة من سؤال من يحكم إلى تهديد مباشر لأمن الدولة وحياة المواطنين.
تجربة الحكم وانفجار الصدام الشعبي
شكل وصول الإخوان إلى الحكم عام 2012 لحظة فارقة، حيث انتقلت الجماعة من موقع التنظيم الساعي للنفوذ إلى موقع إدارة الدولة. وبدل أن يذوب التنظيم داخل قواعد الدولة، ظهرت محاولات لإخضاع المؤسسات لمنطق التمكين، مما فتح الطريق أمام انفجار الصدام الذي انتهى بخروج الملايين في 30 يونيو 2013، وتدخل القوات المسلحة استجابة للمشهد الشعبي وسقوط حكم الجماعة.


