كتب: كريم همام
تشهد الساحة الدولية تحولات هيكلية كبرى تفرض واقعاً جديداً على الخريطة المالية العالمية، حيث تبرز أهمية التحالفات الاستراتيجية كدرع واقٍ أمام التقلبات الحادة والمفاجئة. وفي هذا السياق، تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس بالعاصمة الهندية نيودلهي كخطوة محورية تعكس إدراكاً حصيفاً لضرورة التموضع الإيجابي في قلب التكتلات الصاعدة، بهدف صياغة مستقبل أكثر مرونة ومناعة للاقتصاد الوطني وسط التحديات الجيوسياسية المربكة.
استدامة الاستقرار في ظل الأزمات العالمية
تعد استدامة الاستقرار الاقتصادي غاية بالغة التعقيد في ظل اضطراب المشهد العالمي المتخم بالأزمات المتلاحقة، مما يدفع بانعكاساتها نحو تشظي النظم السياسية والاقتصادية. وقد ألزم هذا الوضع القوى الحيوية بتسريع وتيرة الانخراط في تكتلات قادرة على احتواء هذه التموجات، تهدف هذه الكيانات الجامعة إلى إرساء دعائم متوازنة من الاستقرار المجتمعي والسياسي، وخلق مسارات رحبة للتبادل التجاري والتدفقات الاستثمارية المتبادلة لتجاوز أعطاب الهيكل المالي الدولي.
تمنح قمة نيودلهي مساحة واسعة لتعزيز الشراكات المتكافئة، حيث يفتح التواجد المصري رفيع المستوى آفاقاً ترسخ مكانة القاهرة كقطب إقليمي مؤثر في صياغة توجهات التجمع، بما يضمن صون المكتسبات الوطنية ودعم طموحات الارتقاء الشامل عبر نموذج فاعل لترميم القصور في شرايين الاقتصاد الدولي.
نحو نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب
تقف المنظومة العالمية على أعتاب تحولات جذرية تعيد صياغة موازين القوى، بعيداً عن تمركز النفوذ في قبضة أقطاب بعينها احتكرت الدفة الاقتصادية والسياسية عبر مؤسسات التمويل الكبرى مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. وتأتي المشاركة المصرية بمثابة وثبة استراتيجية نحو الانعتاق من قيود الهيمنة الأحادية، سعياً لتدشين مسار تنموي يمنح الدولة مرونة واسعة في استقلالية قرارها الوطني ويضعها في طليعة القوى القادرة على هندسة نهضتها بمعزل عن الإملاءات الخارجية.
وتتخطى عوائد الانخراط في هذا التكتل حدود التنمية المستدامة لتصل إلى تعزيز البنية التحتية عبر آليات تمويلية مرنة وشراكات استثمارية تضمن تدفق المنح وتوفير القروض بشروط منصفة. كما يهدف هذا المسار إلى تنسيق الجهود لتأمين الأمن الغذائي ومصادر الطاقة المتجددة، وابتكار طرق تقنية لتجويد منظومات الحوكمة الرقمية، مما يحصن شبكة الأمان الاقتصادي ويفتح نوافذ لشراكات استراتيجية تلبي تطلعات الأمة.
مصر كشريك استراتيجي في بريكس
يعكس الحضور الرئاسي المصري رؤية تتبناها القيادة السياسية لصياغة نهضة وطنية شاملة ترتكز على برنامج اقتصادي متكامل. فالدور المصري يتجاوز التمثيل الدبلوماسي ليصبح مساراً استراتيجياً يستفيد من القوة الاستهلاكية الهائلة لأسواق دول بريكس، مما يساهم في تنشيط حركة التبادل التجاري والمصرفي وتحديث البنى التحتية وإثراء الرصيد المعرفي في قطاعات الصناعة والزراعة والتعليم والخدمات.
وتستند الخطى المصرية إلى مقومات استثنائية تؤهلها لتبوء مكانة رفيعة داخل التكتل، مدعومة ببرنامج إصلاحي وبنية تحتية وموقع جغرافي متفرد وإمكانات لوجستية هائلة. وتتضافر هذه المقومات مع التشريعات الحديثة المنظمة للاستثمار التي حفزت رؤوس الأموال الأجنبية، لتعزز من قدرة مصر على تلبية الطموحات الإنتاجية لكبرى الكيانات العالمية، مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي في احتواء النزاعات الدولية.
آفاق النمو والتعاون الدولي
تترقب الأوساط الوطنية ثمار هذا التفاعل الدبلوماسي الذي يفتح نوافذ لتنويع مصادر النقد الأجنبي، مما يرفد القطاعات الصناعية ويقود لطفرة في حجم الصادرات المصرية. ومن المتوقع أن تدور عجلة الإنتاج بوتيرة توفر فرص عمل وتدحر البطالة، مما ينعكس على جودة الحياة والقدرة المالية للدولة في الارتقاء بمنظومتي التعليم والرعاية الصحية والبحث العلمي.
وتستند هذه المسارات إلى إرث من العلاقات الوثيقة مع عواصم التكتل، حيث تبرز الصين والهند كأبرز القوى التي ضاعفت تدفقاتها الاستثمارية نحو مصر، بالتوازي مع تعاون متنامٍ مع البرازيل وجنوب أفريقيا. كما تمثل العلاقات المصرية الروسية نموذجاً للشراكات الاستراتيجية التي شهدت طفرة في عهد الرئيس السيسي والرئيس بوتين، لتشمل قطاعات عسكرية واقتصادية وطاقة وزراعة، مما يشكل قاعدة صلبة نحو مستقبل اقتصادي تنافسي في ظل النظام العالمي الجديد.


