كتب: كريم همام
تعد منطقة البهنسا بمحافظة المنيا واحدة من أهم البقاع التاريخية في مصر، حيث تحمل قيمة كبرى تروي تفاصيل تاريخ الفتح الإسلامي في صعيد مصر. وتكتسب هذه المنطقة مكانة روحية وتاريخية نادرة، كونها تحتضن في باطنها قبور الصحابة الذين شهدوا غزوة بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى قبور التابعين، مما جعلها تستحق لقب البقيع الثاني.
مشروعات تطوير وحماية التراث الإسلامي
في إطار الحفاظ على هذه البقعة النادرة، تسعى محافظة المنيا لتطوير المنطقة عبر مشروع درء المخاطر للحفاظ على التراث الإسلامي الذي يمثله المكان. وقد شهدت منطقة البهنسا ببني مزار، الواقعة شمال مدينة المنيا، تنفيذ أعمال تطوير ضمن هذا المشروع الذي بلغت تكلفته الإجمالية 11 مليون جنيه.
تضمنت أعمال المشروع ترميم 14 قبة أثرية كانت تواجه خطر الانهيار، مما أعاد إليها رونقها كصروح تاريخية تروي عظمة المنطقة. ومن بين هذه القباب التي تم ترميمها: قبة فتح الباب وخادمه، وقبة محمد بن عقبة البدريين وعبادة بن الصامت، وقبة خولة بنت الأزور، وغيرها من المعالم الهندسية الهامة.
تنوع الحضارات والكنوز الأثرية بالبهنسا
تنفرد البهنسا عن غيرها من المدن الأثرية المصرية بتعاقب حضارات مختلفة عليها في مكان واحد، حيث تضم آثاراً من العصر الفرعوني، واليوناني، والروماني، والقبطي، وصولاً إلى العصر الإسلامي. كما تبرز أهميتها التاريخية من خلال الكميات الهائلة من البردي التي عثر عليها في المنطقة.
وقد كشفت التنقيبات عن مقبرتين كبيرتين تعودان للعصر الفرعوني المتأخر وتحديداً للأسرة 26. وإلى جانب قيمتها الأثرية، كانت المنطقة قديماً قلعة لصناعة الغزل والنسيج، كما كانت مركزاً لصناعة كسوة الكعبة خلال العصر الفاطمي لسنوات طويلة. وتضم المنطقة أيضاً معالم أخرى مثل قبر السبع بنات وشجرة السيدة مريم العذراء، وتقع على بعد 15 كم شمال غرب مدينة بني مزار، وحوالي 3 كم من الطريق الصحراوي الغربي.
تاريخ الفتح الإسلامي ومعارك الصعيد
ترتبط البهنسا بأحداث تاريخية مفصلية؛ حيث تشير الروايات إلى انطلاق الجيوش لفتح الصعيد في 10 ربيع الأول عام 21 هجرية. وقد كلف خالد بن الوليد الصحابي القيس بن الحارث المرادي بقيادة 1000 فارس كطليعة لجيش المسلمين، وضم معه أمراء من الصحابة، ودعم الجيش الأمير غانم بن عياض بـ 1000 فارس آخرين، وكان من بينهم جعفر ومسلم وعلي أبناء عقيل بن أبي طالب، وسليمان بن خالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة كاتب الوحي، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة.
وعند وصول القيس بن الحارث إلى البهنسا، وجدها مدينة حصينة مكونة من أربعة أبواب، ويحرس كل باب ثلاثة أبراج، وتقع غربي البحر اليوسفي. وقد دارت معارك كبرى في المنطقة، أشهرها معركة بردنوها، مما أدى إلى استشهاد 70 من أهل بدر ودفنهم في المنطقة، ومن أبرزهم: زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وسليمان بن خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والحسن بن زين العابدين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن أبي ذر الغفاري، ومحمد بن عقبة بن نافع، وعلي بن عقيل بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، وخولة بنت الأزور، والقعقاع بن عمرو.
مكانة روحية وتطوير مستقبلي
حظيت منطقة شهداء البهنسا بتقدير كبير من كبار الشخصيات، حيث كان من أوائل زوارها الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، الذي عبر عن هيبة المكان بتجوله حافياً تقديراً لمن يضمون في ثراهم كبار الصحابة والتابعين. وفي سياق متصل، أكد الشيخ أسامة الأزهري وزير الأوقاف أن المنطقة ستشهد عملية تطوير شاملة خلال المرحلة المقبلة لتعزيز قيمتها التاريخية والدينية.


