كتب: أحمد عبد السلام
تعد بعض الأفلام في تاريخ السينما المصرية نماذج فريدة تجاوزت حدود الترفيه لتصل إلى التأثير في الوعي المجتمعي والتشريعات القانونية. ويبرز فيلم «جعلوني مجرمًا» الذي قدمه الفنان فريد شوقي عام 1954 كأحد أهم هذه الأمثلة، حيث ناقش قضية اجتماعية وإنسانية شائكة تتعلق بمستقبل الأفراد الذين يحاولون العودة للمجتمع بعد ارتكاب أخطاء في الماضي.
صراع البطل مع نظرة المجتمع والماضي
تدور أحداث الفيلم حول شخصية «سلطان»، الذي يعاني من ظروف قاسية منذ فقدان والده واستيلاء عمه على ميراثه، مما دفعه في النهاية إلى طريق الانحراف ودخول إصلاحية الأحداث. وتكمن الأزمة المحورية في محاولة سلطان بناء حياة شريفة بعد خروجه، إلا أن السابقة المسجلة في سجله الجنائي تظل عائقًا يمنعه من الاندماج، مما يضعه أمام مواجهة نفسية واجتماعية صعبة قد تدفعه نحو الانتقام.
السينما كمحرك للتغيير التشريعي
لم تقتصر تداعيات الفيلم على الجانب الدرامي، بل امتدت لتثير نقاشًا واسعًا حول قضية «السابقة الأولى» في الصحيفة الجنائية. وقد ساهم العمل في لفت الانتباه إلى الآثار السلبية التي تتركها هذه السابقة على فرص العمل والاستقرار الاجتماعي، مما أدى إلى صدور تشريع يقضي بالإعفاء من السابقة الأولى، وذلك لإتاحة الفرصة لمن أخطأ للمرة الأولى لبدء حياة جديدة دون ملاحقة اجتماعية مستمرة.
دور الفن في تعزيز العدالة الاجتماعية
يعكس فيلم «جعلوني مجرمًا» قدرة الفن على تسليط الضوء على أوجه القصور في التعامل مع قضايا إعادة التأهيل والاندماج. ومن خلال تجسيد فريد شوقي لشخصية تثير التعاطف، طرح الفيلم تساؤلات حول مسؤولية المجتمع في التمييز بين محاسبة المخطئ ومنحه فرصة للإصلاح، مؤكدًا أن العقوبة لا ينبغي أن تتحول إلى وصمة دائمة تمنع الإنسان من استعادة مسار حياته الطبيعي.



