كتب: صهيب شمس
تعد حرب السادس من أكتوبر عام 1973 نموذجًا استثنائيًا في استخدام اللغة لتوصيف المعارك، حيث لم تكن البيانات العسكرية المصرية مجرد تقارير إخبارية، بل كانت نصوصًا مكثفة أدت وظائف عسكرية وإعلامية ونفسية من خلال اختيار ألفاظ دقيقة ساهمت في رفع الروح المعنوية.
التدرج اللغوي من التصدي إلى العبور
كشف تحليل البيانات العسكرية الصادرة في الساعات الأولى للحرب عن تحول لغوي متدرج يعكس تطور الموقف الميداني. بدأت البيانات بمرحلة «التصدي» حيث كان البيان الأول يضع القوات في موقع رد الفعل تجاه هجوم العدو، ثم انتقلت اللغة إلى مرحلة «القصف» في البيان الثاني، تلتها مرحلة «الإصابة» المباشرة لمواقع العدو في البيان الثالث.
ومع استمرار العمليات، حدث التحول الأكبر في البيان الرابع والخامس، حيث انتقل الخطاب من مجرد الرد إلى «الاقتحام» ثم «الاستيلاء» على النقاط القوية، وصولًا إلى «رفع علم مصر» على الضفة الشرقية للقناة، مما رسم خطًا بيانيًا لغويًا يوازي التصاعد العسكري في أرض المعركة.
دلالة كلمة العبور وقوة الأفعال
برزت كلمة «العبور» كأقوى تعبير عن الإنجاز في الذاكرة المصرية، وهي كلمة تتجاوز معناها اللغوي البسيط للانتقال من جهة إلى أخرى، لتختزل عملية عسكرية كاملة. وتكمن قوة هذه الكلمة في كونها تعبر عن «فعل حركة» يصف الإنجاز الميداني، على عكس كلمة «النصر» التي تمثل نتيجة نهائية.
إن استخدام أفعال الحركة مثل «اقتحم» و«استولى» ساعد في نقل صورة ذهنية دقيقة للقارئ، حيث يوحي الاقتحام بالدخول بقوة في المواقع المحصنة، بينما يضمن الاستيلاء إثبات السيطرة والتحكم في المكان.
لغة الانتماء والمواجهة في الخطاب الحربي
اعتمدت البيانات العسكرية على استخدام ضمائر الانتماء لتعزيز الروح الجماعية، حيث تكررت عبارات مثل «قواتنا»، «مدفعيتنا»، و«طائراتنا»، مما جعل الخطاب يمس الوجدان الجمعي ويحول الخبر العسكري إلى رسالة وطنية مشتركة. وفي المقابل، استُخدمت كلمة «العدو» كاختصار وظيفي للطرف الآخر في المواجهة.
ولم تقتصر البلاغة على المصطلحات العسكرية، بل امتدت للرموز الوطنية، مثل استخدام عبارة «رفع علم مصر»، التي حولت البيان من سرد للوقائع إلى صناعة صورة ذهنية للسيادة واسترداد الأرض، مما جعل من تلك البيانات وثائق تاريخية تحفظ أحداث المعركة عبر بوابة اللغة.



