منوعات

لاس فيغاس.. "الجزيرة التاسعة" تحتضن مجتمع هاواي في قلب الصحراء

لاس فيغاس.. "الجزيرة التاسعة" تحتضن مجتمع هاواي في قلب الصحراء

كتب: صهيب شمس

تتحوّل ساحة انتظار سيارات في غرب لاس فيغاس، مساء كل سبت، إلى واحة استوائية تنبض بالحياة، حيث تؤدي راقصات الهولا عروضهن على أنغام الموسيقى التقليدية، وتفوح روائح المأكولات الهاوايية من شاحنات الطعام، فيما يتبادل الزوار الأحاديث بلهجة جزر المحيط الهادئ.

سوق "كيلاه كاين".. ملتقى الجالية والذاكرة

يُقام هذا المشهد الأسبوعي في سوق "كيلاه كاين" الليلي، الذي يجمع شهريًا المشاريع المحلية المملوكة لأبناء هاواي ومحبي ثقافتهم. وتقول تيران إنريكس، منظمة السوق، إن هذه التجمعات تمنح المغتربين شعورًا بالانتماء، موضحة أن رؤية أشخاص يتحدثون اللغة ذاتها ويتشاركون التقاليد ذاتها تشعرهم وكأنهم عادوا إلى موطنهم.

تشير بيانات التعداد السكاني إلى وجود نحو 50 ألف شخص في مقاطعة كلارك يتحدرون كليًا أو جزئيًا من أصول هاواي أو جزر المحيط الهادئ، وهو ما دفع السكان إلى إطلاق لقب "الجزيرة التاسعة" على لاس فيغاس، في إشارة رمزية إلى جزر هاواي الثماني.

جذور العلاقة.. من فندق "كاليفورنيا" إلى وجهة مألوفة

تعود جذور هذه العلاقة إلى عام 1975، حين افتتح رجل الأعمال سام بويد فندق وكازينو "كاليفورنيا" وسط لاس فيغاس باستثمار بلغ عشرة ملايين دولار. وبعد أن واجه خسائر بسبب تفضيل زوار كاليفورنيا الفنادق القريبة من شارع "ستريب"، اتجه بويد لاستقطاب السياح من هاواي، مقدمًا عروضًا شملت الإقامة والطيران والطعام بأسعار وصلت إلى 9.70 دولارات للشخص.

لم تكن الأسعار وحدها سبب النجاح، إذ حرص الفندق على توفير أطعمة هاواي التقليدية، وارتداء الموظفين قمصانًا مستوحاة من ثقافة الجزر، إلى جانب الديكورات الاستوائية. وبحسب التقرير السنوي لشركة "بوييد غيمنغ"، شكّل الوافدون من هاواي نحو 75% من الليالي الفندقية المشغولة في فندق كاليفورنيا خلال عام 2025.

المأكولات.. نكهات الوطن في الصحراء

أحضر المهاجرون معهم تقاليدهم الغذائية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة في "الجزيرة التاسعة". وتنتشر في لاس فيغاس شاحنات تقدم أطباقًا مستوحاة من مطبخ هاواي، أبرزها "آيلاند كريبتونايت" التي تقدم البرغر بصلصة الترياكي والبوكيه مع الناتشوز، و"هاباهولز" المتخصصة بالتاكو، و"فورك يو" لشطائر الدجاج المقرمش، و"كيلاه كاين شرمب" للروبيان بالثوم.

كما يقدم مطعم "أنتي دوت" أطباقًا تقليدية مثل الدجاج بالثوم والبوكيه الحار و"لوكو موكو" الذي يجمع الأرز واللحم والبيض والصلصة. ويرى الطاهي روي إلامار أن ازدهار هذا المشهد الغذائي يعكس اعتزاز الجالية بتراثها.

دوافع الانتقال.. اقتصاد وفرص

تعد الاعتبارات الاقتصادية من أبرز دوافع انتقال سكان هاواي إلى لاس فيغاس، خصوصًا ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والوقود والمواد الغذائية في جزرهم الأصلية. وتوفر لاس فيغاس فرص عمل أوسع، إذ تضم منطقتها الحضرية نحو 1.2 مليون وظيفة غير زراعية، أي نحو ضعف عدد الوظائف في ولاية هاواي بأكملها. كما لا تفرض نيفادا ضريبة دخل على الأفراد، بينما تصل بعض معدلات ضريبة الدخل في هاواي إلى 11%.

ويقول الوسيط العقاري راندي هاتادا إن كثيرًا من العائلات تعجز عن شراء منزل في جزرها الأصلية، بينما تمنحها لاس فيغاس فرصة لتحقيق حلم امتلاك مسكن.

الحفاظ على الهوية.. مؤسسات ثقافية ومدارس

لا تقتصر حياة الجالية على العمل والطعام؛ إذ تؤدي المؤسسات الثقافية دورًا محوريًا في تعزيز الروابط الاجتماعية. ومن أبرزها "النادي المدني لأبناء هاواي في لاس فيغاس"، وهو منظمة غير ربحية تنظم لقاءات شهرية وورشًا تعليمية ومهرجانات سنوية، بهدف الحفاظ على اللغة والفنون والقيم التقليدية.

ومن الفعاليات البارزة مهرجان "نكهات ألوها" في مايو، ومهرجان القرية في سبتمبر الذي استقطب أكثر من عشرة آلاف زائر خلال ثماني ساعات. وتنتشر أيضًا مدارس لتعليم رقصة "الهولا" للأطفال والمراهقين والبالغين، كما أدخلت أكاديمية "فيغاس فيستا" اللغة الهاوايية ضمن برنامجها المدرسي عام 2025.

مجتمع يعيد بناء انتمائه

في فعالية "آيلاند أوهانا" الشهرية، تقدم فرقة "إس تي 1" موسيقى الريغي المستوحاة من الجزر، في أجواء تجمع السكان والسياح. ويختصر المغني باونس كروز، الوافد من غوام، أهمية هذه الأنشطة بقوله إن الاحتفاء بثقافة هاواي وجزر المحيط الهادئ في لاس فيغاس وسيلة لإبقائها حية رغم البعد عن الوطن.

هكذا، أصبحت "الجزيرة التاسعة" أكثر من مجرد لقب سياحي، إنها مجتمع استطاع إعادة بناء شعوره بالانتماء وسط الصحراء، محافظًا على تراثه وهويته عبر الأجيال.

شارك الخبر: