كتبت: فاطمة يونس
في إحدى أمسيات الصيف الماضي، التقت جين بونر بصديقتها الإيطالية كيارا في مدينة فلورنسا، بعد سنوات من الغياب. جابت الصديقتان ساحة الجمهورية وتصفحتا الروايات في إحدى المكتبات، قبل أن تجلسا لتناول العشاء بالقرب من السوق المركزي، مستعيدتين ذكريات تعارفهما الأول في المدينة التوسكانية.
ضجر المراهق من الثقافة الإيطالية
لم تخلُ الأمسية من التوتر، إذ عبّر ليو، ابن جين البالغ 13 عامًا، عن ضجره من حديث والدته بالإيطالية، قائلًا إنه أمضى ثلاث ساعات يستمع إليها. تكرر الموقف في متحف "أوفيزي"، حين استعجل ليو بمغادرة المكان دون اكتراث بروائع عصر النهضة ولوحات بوتيتشيلي. وزاد تذمره حين علم أن الأسرة ستزور روما وفلورنسا مجددًا، متسائلًا باستياء: "ماذا؟ مرة أخرى؟ لقد زرناهما من قبل".
كشفت جين أن اهتمامات ابنها انحصرت في بطاقات بوكيمون، وقميص فيراري باهظ الثمن، ومتحف للخدع البصرية، ولعبة الورق "Uno No Mercy"، ومقهى فاخر في متحف "أوفيزي". ورغم أن ليو يزور إيطاليا للمرة الثالثة، إلا أن حماسه لم يضاهِ تعلق والدتها بالبلاد، التي شكلت محطة مهمة في حياتها الجامعية.
تنازلات الأم من أجل متعة الابن
مع إصرار جين على جعل ابنها يقع في حب إيطاليا، أدركت بعد محاولات عديدة أن الأمر يتطلب بعض التنازلات. خلال أول رحلة عائلية عام 2018، وجدت نفسها تستأجر دراجة رباعية في حدائق "فيلا بورغيزي" بروما، رغم إرهاقها بعد رحلة جوية استغرقت 10 ساعات، لأن ابنها البالغ 5 سنوات آنذاك كان أكثر اهتمامًا بالسرعة من مشاهدة التماثيل الرخامية.
تكررت التنازلات عام 2022، حين بحثت جين في أرجاء المدينة عن بطاقات بوكيمون بعدما بدأ العشاء في الهواء الطلق يستنفد صبر ابنها. ولم تكتمل زيارة المنتدى الروماني كما خططت، إذ أصر ليو على العودة إلى مكان إقامتهم بعد شعوره بالتعب.
في المقابل، استمتع ليو بزيارة متحف في فلورنسا يحتفظ بإصبع عالم الفلك غاليليو، إذ شدته قصة فصل إصبعه الأوسط أثناء نقل رفاته في القرن الثامن عشر.
درس إيطالي غير تقليدي
بعد إنفاق مبالغ كبيرة على التذاكر والوجبات غير المكتملة، قررت جين تنظيم نزهة بسيطة تجمع بين المتعة والفائدة، فرتبت غداءً مع صديقها الفلورنسي كريستيانو، الذي عرض تعليم ابنها اللغة الإيطالية. بدأ كريستيانو درسه بكلمة "Cornuto"، التي تصف الزوج الذي تخونه زوجته، وتعد إهانة قاسية في الثقافة الإيطالية، ورسم في دفتر جين حركة اليد المستخدمة للتعبير عنها.
علقت جين قائلة إنها لطالما أُعجبت باللغة الإيطالية، لكن لا شيء يضاهي أن يتعلم ابنها في الـ13 من عمره كلمة تصف رجلًا تخونه زوجته.
عطلة تناسب الجميع
أدركت جين أن ما يمتع الأطفال في الخامسة قد لا يستهويهم عند بلوغ الـ13 عامًا. في الرحلة الأولى، كان ليو ينبهر بكل معلم ويراه، وتوثق الصور ابتسامته أمام معالم الفاتيكان والإطلالات الخلابة. لكن إبهاره بات أكثر صعوبة مع تقدمه في العمر.
بعد ثلاث رحلات بصفتها أمًا، أدركت جين أن السفر مع ليو يتطلب التنازل عن بعض التجارب الثقافية التي تستهويها، حتى يستمتع ابنها بطريقته الخاصة. في إحدى الأمسيات بفلورنسا، رفض ليو التوقف للاستماع إلى مغنية أوبرا، لكنه تحمس في اليوم التالي لنزهة جبلية حين علم أن كلبًا يدعى "دانتي" سيرافقه.
لحظات من البهجة الخالصة
رغم التنازلات العديدة، لم تخلُ الرحلات من اللحظات الممتعة. خلال رحلة إلى جنوب إيطاليا عام 2018، توقفت العائلة عند محطة وقود تضم مطعمًا، حيث تناولت جين طبق معكرونة بالمحار وصفته بأنه الألذ في حياتها، ما أثار ضحك ابنها واستغرابه.
في روما، استمتع ليو بركوب المصعد التقليدي في مبنى شقتهم المستأجرة، أما في فلورنسا، فكان قميص نادي "فيورنتينا" الذي ارتداه كفيلًا بفتح أبواب حديقة فندق فاخر أمامه، حيث استقبله الحارس بحفاوة كبيرة.
آمال مستقبلية
توقعت جين أن تتطلب رحلاتهما المقبلة مزيدًا من التنازلات، فيما تتساءل إن كان ليو سيُتقن الإيطالية يومًا ما أو سيختار العيش في إيطاليا كما فعلت هي. في الوقت الراهن، لا يعرف ليو سوى كلمة "الزوج المخدوع" بالإيطالية، ويُبدي شغفًا كبيرًا بمقتنيات سيارات فيراري. وتأمل جين أن يقود ابنها يومًا سيارة إيطالية سريعة بدلًا من الدراجة الرباعية التي جرّبها في روما، ليصطحب العائلة في جولات عبر بلدها المفضل، دون أن يضطر أيٌ من الأم وابنها إلى تقديم تنازلات إضافية.



