كتب: صهيب شمس
لا تكتفي جماعة الإخوان الإرهابية باستقطاب الأعضاء الجدد عبر الإقناع الفكري المباشر، بل تعتمد استراتيجية ممنهجة تهدف إلى "صناعة" العضو من خلال مراحل تدريجية ومدروسة. تبدأ هذه العملية بتحويل الفرد من مجرد متعاطف مع الأفكار إلى ترس فعال داخل الماكينة التنظيمية، عبر رحلة طويلة تتنوع بين الروابط الاجتماعية والتربية التنظيمية والالتزام المطلق بالبيعة.
البدايات الاجتماعية والروابط الأسرية
تكشف الشهادات المستمدة من منشقين عن الجماعة أن عمليات الاستقطاب لا تبدأ دائماً بالسياسة، بل تنطلق من دوائر اجتماعية تبدو بعيدة عن التنظيم. تشمل هذه الدوائر الصداقات، والأنشطة الدراسية، والرياضية، وحتى الرحلات. وفي بعض الحالات، يتم جذب الشباب من خلال ممارسة نشاط رياضي مع زميل، لينتقل الشاب تدريجياً إلى لقاءات ذات طابع دعوي وتنظيمي دون أن يدرك في البداية أنه دخل في دوائر الجماعة الإرهابية.
وفي مسارات أخرى، تلعب الأسرة دوراً محورياً، حيث ينشأ بعض الشباب داخل عائلات مرتبطة بالتنظيم، مما يجعل الانتقال إلى "الأسرة التنظيمية" امتداداً طبيعياً للبيئة التي نشأوا فيها. ويهدف التنظيم في هذه المرحلة إلى جعل وجود الفرد داخل الدائرة أمراً طبيعياً ومألوفاً قبل طلب الانضمام الرسمي.
نظام الأسر والتربية التنظيمية
تعتبر "الأسرة" هي الوحدة التنظيمية الأصغر والخلية الأساسية في هيكل الجماعة، وهي تمثل المدرسة الأولى للعضو. ووفقاً للأدبيات المنشورة على المنصات التابعة للجماعة، فإن نظام الأسر هو نظام داخلي يدخل إليه العضو بعد أداء البيعة، وتتولى هذه الأسرة وظائف تربوية وأخوية ومتابعة مستمرة للأعضاء.
الأسرة ليست مجرد لقاء اجتماعي أو ديني، بل هي وحدة تهدف إلى تشكيل الشخصية التنظيمية وتثبيت العلاقة بالجماعة. وتعمل الأسرة كحلقة ضمن تسلسل تنظيمي أكبر يشمل الشعب والمناطق والمحافظات. ويقوم مسؤول الأسرة بدور يتجاوز التنظيم، حيث يتولى توجيه الأعضاء ومتابعتهم، مما يحول العملية من مجرد "دعوة" إلى "تكوين" كامل داخل بيئة تنظيمية لها برامج وقراءات محددة.
مراحل التدرج من التكوين إلى الكتيبة
تتوسع عملية التربية والتنشئة لتشمل مستويات أكثر تقدماً، حيث تبرز "الكتيبة" كطبقة أخرى من التكوين إلى جانب الأسرة. هذا التدرج يضمن تحويل العضو من مرحلة الإعجاب بالفكرة إلى مرحلة الاندماج الكامل في التنظيم. وقد وصف الدكتور ثروت الخرباوي، القيادي المنشق والباحث في شؤون الإسلام السياسي، في كتابه "سر المعبد"، الأسرة بأنها إحدى أهم أدوات إنتاج الكوادر، مستنداً في ذلك إلى معايشة طويلة ووثائق داخلية للجماعة.
يعتمد هذا النموذج على فلسفة بناء تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع، وهي رؤية تهدف إلى إعادة تشكيل الفرد ذاته ليكون جزءاً من شبكة تنظيمية واسعة، حيث يمر العضو بمراحل: دخول الفكرة، ثم البيئة التنظيمية، ثم الانضباط، وصولاً إلى الالتزام الكامل.
البيعة واختبار السمع والطاعة
تمثل البيعة النقطة الفاصلة في رحلة العضو، حيث يتحول السؤال من مدى القناعة بالأفكار إلى مدى الاستعداد للالتزام بما يطلبه التنظيم. وتعتبر مفاهيم "السمع والطاعة" جزءاً لا يتجزأ من الانتقال إلى العضوية الرسمية. ومن خلال هذا النظام، يصبح الانسحاب من التنظيم أمراً بالغ الصعوبة، ليس فقط بسبب الأفكار، بل بسبب شبكة العلاقات المعقدة والتكليفات التي تشكلت حول العضو مع مرور الوقت.
إن التنظيم لا يبحث عن مجرد مؤيدين، بل يسعى لامتلاك أعضاء يخضعون لمنظومة متكاملة من القيادة والتكليف. فبينما يجلب الاستقطاب الفرد، تقوم الأسرة بتربيته، ويختبر التدرج التزامه، وتأتي البيعة لتحول الانتماء الفكري إلى التزام تنظيمي صارم، مما يضمن استمرار إعادة إنتاج الأعضاء لعقود طويلة.



