كتبت: فاطمة يونس
شهدت الساحة السياسية والقانونية في إسبانيا حالة من الجدل الواسع عقب صدور قرار قضائي من المحكمة العليا يقضي بتعليق حق التصويت لآلاف المواطنين الذين نالوا الجنسية الإسبانية عبر ما يعرف بـ "قانون الأحفاد". ويأتي هذا القرار المرتبط بقانون الذاكرة الديمقراطية الذي أُقر في أكتوبر 2022، ليضع آلاف المستفيدين في حالة من الترقب القانوني بشأن حقوقهم الانتخابية.
يستهدف قانون الذاكرة الديمقراطية الأشخاص المولودين خارج الأراضي الإسبانية والمنحدرين من عائلات إسبانية اضطرت للعيش في المنفى خلال حقبة الحرب الأهلية وحكم الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو. وقد استفاد من هذا القانون أعداد كبيرة من الأشخاص حول العالم، لا سيما في دول أمريكا اللاتينية، لكن القرار القضائي الأخير أوقف فوراً إجراءات إدراج هؤلاء المجنسين في السجل الانتخابي، مع إلزام البعض بإثبات صلتهم المباشرة بالإسبان الذين عاشوا في المنفى لضمان حقهم في التصويت.
خلفيات القرار القضائي والصراع السياسي
جاء تحرك المحكمة العليا استجابة لطلبات إجراءات احترازية تقدمت بها أحزاب يمينية متطرفة، من بينها حزبا "فوكس" و"إيستيتيشا أوروبا". وتستند هذه الأحزاب في طعنها إلى الرغبة في منع ما تصفه بالزيادة غير المبررة في أعداد الناخبين قبيل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في عام 2027، موجهة اتهامات لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بمحاولة توسيع السجل الانتخابي لتحقيق مكاسب سياسية.
من جانبه، رفض بيدرو سانشيز هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكداً على مبدأ المساواة بين المواطنين ورفضه لوجود "مواطنين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية". وفي المقابل، بررت المحكمة العليا إجراءها المؤقت بأن إدراج هؤلاء المجنسين في السجل الانتخابي قد يهدد موضوعية وشفافية العملية الانتخابية من وجهة نظرها القانونية.
أرقام تعكس حجم القضية وتفسيرات القانون
تظهر البيانات الرسمية المحدثة حتى 31 مايو الماضي حجم التأثير المحتمل لهذا القرار، حيث تقدم نحو 2.4 مليون شخص بطلبات للحصول على الجنسية الإسبانية بموجب قانون الأحفاد. وقد أُدرج 333,696 شخصاً بالفعل في السجل الانتخابي للإسبان المقيمين في الخارج، بينما كان هناك 238,065 شخصاً حصلوا على الجنسية وفي انتظار استكمال إجراءات إدراجهم الانتخابي.
وتتمحور الأزمة حول اختلاف جوهري في تفسير شروط الاستفادة من القانون؛ فبينما تشترط المحكمة العليا إثبات أن المستفيد هو ابن أو حفيد لشخص إسباني اضطر للمنفى لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو مرتبطة بالهوية والتوجه الجنسي، كانت تعليمات وزارة العدل الإسبانية الصادرة عام 2022 تفترض صفة المنفى لكل من غادر البلاد في الفترة بين 18 يوليو 1936 و31 ديسمبر 1955، دون اشتراط إثبات صلة القرابة المباشرة بالمنفيين كما ترى المحكمة.
مستقبل حقوق التصويت والانتخابات المقبلة
أكدت المحكمة العليا أن هذا الإجراء لا يعد حكماً نهائياً بل هو قرار احترازي مؤقت بينما تستمر في دراسة جوهر القضية. وقد طالب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بضرورة الإسراع في الفصل في هذه المسألة لتفادي حالة عدم اليقين القانوني التي يعيشها آلاف المواطنين.
وفي حين رحب حزب "فوكس" بالقرار واعتبرته خطوة لوقف "التلاعب الانتخابي"، عبر المستفيدون من القانون عن استيائهم وقلقهم من أن هذا التعليق يخلق تمييزاً بين المواطنين الإسبانيين بناءً على كيفية حصولهم على الجنسية، ليظل مصير مشاركتهم في انتخابات 2027 معلقاً بانتظار الحكم النهائي للمحكمة العليا.



