كتب: إسلام السقا
تواجه القارة الأوروبية تحديات سكنية غير مسبوقة، حيث تحولت أزمة السكن إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الوقت الراهن. وتتزايد الضغوط نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف شراء واستئجار الوحدات السكنية، مما جعلها تتجاوز القدرات المادية لقطاعات واسعة من السكان، وفي مقدمتهم فئة الشباب الذين باتوا يواجهون صعوبات بالغة في تحقيق الاستقلال عن أسرهم أو بدء حياة عملية ومستقلة.
وقد وصف مفوض الاتحاد الأوروبي للإسكان، دان يورجنسن، الوضع الراهن بأنه وصل إلى مستوى الطوارئ. وأشار إلى أن العديد من الشباب في دول الاتحاد لم يعد بمقدورهم شراء منازل خاصة، بل إنهم يواجهون معوقات حادة حتى في تحمل تكاليف الإيجارات الشهرية.
قفزات كبيرة في أسعار المنازل والإيجارات
تكشف البيانات الصادرة عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن حجم الضغوط الهائلة التي يمر بها سوق الإسكان. فقد سجلت أسعار المنازل في الاتحاد ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 60% منذ عام 2010 وحتى الربع الثاني من عام 2025. ولم يقتصر الارتفاع على البيع فقط، بل امتد ليشمل سوق الإيجارات التي شهدت زيادة بنحو 28.8% خلال الفترة الزمنية ذاتها.
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 10% من سكان المدن الأوروبية يعانون من عبء سكني ثقيل، حيث تتجاوز تكاليف السكن نسبة 40% من دخلهم المتاح. وتتعمق الأزمة نتيجة النقص الحاد في الوحدات السكنية المتاحة بأسعار مناسبة، مما أدى إلى اشتداد حدة المنافسة على المنازل المتاحة ودفع الإيجارات نحو مستويات قياسية.
تأثير الأزمة على فئة الشباب والمجتمع
يعد الشباب الفئة الأكثر تضرراً من هذه التغيرات الاقتصادية؛ فوفقاً للمؤشرات، غادر الأوروبيون منازل أسرهم في المتوسط عند سن 26.3 عاماً في عام 2023. وفي عام 2024، تبين أن نحو نصف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً ما زالوا يعيشون مع أحد الوالدين أو يعتمدون بشكل مباشر على دخل الأسرة.
وتؤكد المؤسسات الأوروبية أن ارتفاع تكاليف السكن لم يعد مجرد عبء مالي، بل أصبح عاملاً يؤخر قرارات اجتماعية ومصيرية هامة، مثل الزواج، وتكوين الأسر، والقدرة على الانتقال للعمل في مناطق جديدة. وتزداد المشكلة تعقيداً في المدن الكبرى والمناطق السياحية نتيجة المنافسة مع قطاع الإيجارات قصيرة الأجل.
تحركات أوروبية لمواجهة الأزمة
استجابة لهذه التحديات، طرحت المفوضية الأوروبية قانون الإسكان الميسور، بهدف معالجة نقص المعروض السكني وتنظيم الضغوط التي تفرضها الإيجارات السياحية على السوق. وتعمل بروكسل حالياً على حث الدول الأعضاء بضرورة زيادة وتيرة بناء المساكن الميسورة، وتبسيط إجراءات البناء، وتقديم الدعم اللازم للشباب والمشترين للمرة الأولى.
وتأتي هذه الجهود في إطار محاولة شاملة لمنع تحول أزمة السكن إلى أزمة اجتماعية وديموغرافية قد تهدد مستقبل جيل كامل في القارة الأوروبية.



