كتبت: بسنت الفرماوي
تمثل التجربة المصرية في مواجهة فيروس سي نموذجاً فريداً في كيفية تحويل التحديات الصحية الكبرى إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع. فمن خلال استراتيجية شاملة اعتمدت على الكشف المبكر والعلاج الجماعي، تمكنت الدولة من تغيير خريطة المرض داخل المجتمع المصري، وتجنب سيناريوهات صحية واقتصادية كانت ستكون مكلفة للغاية في حال عدم التدخل السريع والشامل.
لقد كشفت النتائج المحققة خلال فترة ثماني سنوات عن تحول جذري في معدلات الإصابة، حيث انخفضت نسبة الإصابات الجديدة بفيروس سي في مصر بنسبة بلغت 97%. هذا الانخفاض الكبير يعكس نجاح خطط الدولة في السيطرة على انتشار الفيروس وتقليص فرص انتقال العدوى بين المواطنين.
حصيلة مبادرة 100 مليون صحة
من خلال حملة «100 مليون صحة»، انتقلت الدولة من مرحلة انتظار المريض ليتوجه إلى المنشآت الصحية، إلى مرحلة البحث النشط والوصول إلى المواطنين في مختلف المناطق. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن فحص أكثر من 60 مليون شخص، مما سمح باكتشاف الحالات التي قد تستمر لسنوات دون أعراض واضحة.
ولم تتوقف الجهود عند حدود الفحص فقط، بل امتدت لتشمل تقديم العلاج المجاني، حيث تلقى أكثر من 4 ملايين مصاب العلاج اللازم. وقد سجلت منظمة الصحة العالمية تجاوز معدل الشفاء من فيروس سي نسبة 98%، مما يؤكد فاعلية البروتوكولات العلاجية المتبعة وقدرتها على استئصال المرض من أجساد المصابين.
مصر وتصنيف المستوى الذهبي العالمي
توجت هذه الجهود المستمرة في أكتوبر 2023، حين أصبحت مصر أول دولة في العالم تحصل على المستوى الذهبي «Gold Tier» على مسار القضاء على التهاب الكبد C، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. ويأتي هذا الإنجاز العالمي نتيجة القدرة الفائقة على الجمع بين التوسع في عمليات الفحص، وتوفير العلاج، وخفض معدلات الإصابة الجديدة، بالتوازي مع إجراءات وقائية صارمة لمكافحة العدوى.
وقد نجحت الدولة في تشخيص نحو 90% من الأشخاص الذين يُقدر أنهم مصابون بالفيروس، وتقديم العلاج لأكثر من 93% منهم، وهي معدلات وضعت مصر في مسار متقدم جداً نحو القضاء التام على المرض كتهديد للصحة العامة.
مخاطر عدم التدخل والعلاج الجماعي
لو لم تبدأ مصر رحلة الكشف والعلاج الجماعي، لكان الفيروس قد واصل وجوده بين أعداد ضخمة من المصابين غير المكتشفين، مما يعني استمرار فرص انتقال العدوى وزيادة الحالات المعرضة للمضاعفات الخطيرة. إن عدم علاج المصابين كان سيؤدي حتماً إلى زيادة احتمالات تطور المرض إلى مراحل متقدمة مثل تليف الكبد، وسرطان الكبد، والفشل الكبدي.
علاوة على ذلك، فإن استمرار وجود حالات غير مشخصة كان سيفرض أعباءً صحية واقتصادية هائلة على المرضى وأسرهم وعلى المنظومة الصحية ككل، نتيجة الحاجة المتزايدة لخدمات علاج المضاعفات المعقدة. لذا، فإن التحول من علاج المضاعفات إلى منع حدوثها عبر الكشف المبكر كان هو حجر الزاوية في تغيير مسار المرض على مستوى السكان.



