كتب: إسلام السقا
شهد عام 2026 تحولات جذرية في عالم الرياضيات، حيث انتقلت نماذج الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات للحسابات المعقدة إلى مرحلة الابتكار وتقديم حلول لمسائل استعصت على العقول البشرية لعقود طويلة. هذا التطور دفع التقنيات الحديثة إلى مناطق بحثية لم تكن متاحة من قبل، مما أثار تساؤلات عميقة حول مستقبل البحث الرياضي والقدرة البشرية على مواكبة هذه الاكتشافات.
حل لغز معادلات نافيير-ستوكس
في خطوة لافتة، أعلنت شركة OpenAI عن توصلها إلى برهان لمسألة Navier-Stokes، وهي واحدة من أصعب مسائل الألفية السبع التي حددها معهد كلاي للرياضيات عام 2000، مع جائزة قدرها مليون دولار لكل حل. هذه المسألة، التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر للعالمين كلود نافير وجورج ستوكس، تتعلق بوصف حركة السوائل والغازات وتطبيقاتها الحيوية في تصميم الطائرات والتنبؤ بالطقس ودراسة تدفق الدم.
استخدمت OpenAI نظام ذكاء اصطناعي داخلي متطور، حيث عمل نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي بشكل متوازٍ على المسألة لمدة 88 ساعة. وبعد عملية تحقق رسمية باستخدام لغة Lean استغرقت 17 ساعة، أثبت البرهان إمكانية ظهور تفرد في المعادلات تحت شروط محددة. ومع ذلك، لا يزال هذا الإعلان ينتظر التدقيق المستقل من المجتمع الرياضي العالمي لتأكيد النتائج وحسم الجدل حولها.
دحض تخمين إردوش وتوسع الاكتشافات
لم يقتصر الإنجاز عند هذا الحد، بل سبقه في مايو 2026 نجاح نموذج من OpenAI في دحض تخمين المسافة الواحدة لإردوش، وهو سؤال طرحه عالم الرياضيات المجري بول إردوش عام 1946. ورغم بساطة السؤال الظاهرية حول المسافات بين النقاط في مستوى ثنائي الأبعاد، إلا أنه كان يخفي تعقيدات هندسية عميقة استمرت لنحو 80 عاماً.
الذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بالتقريب العددي، بل ساهم في اكتشاف بناء رياضي جديد فتح آفاقاً في نظرية الأعداد والهندسة التوافقية. وفي أغسطس من نفس العام، أعلنت OpenAI عن تحقيق 10 نتائج رياضية جوهرية، شملت تقدماً في مسائل مرتبطة بأعداد رامزي ونظرية الرسوم البيانية، مما يعكس تحولاً من حل مسائل منفردة إلى البحث المنهجي الشامل.
تجارب ميدانية وتحديات المراجعة البشرية
لإثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الباحثين، ظهر مشروع First Proof الذي اختبر الأنظمة بمسائل بحثية حقيقية لم تُنشر حلولها مسبقاً. وفي الجولة الثانية من المشروع، نجحت أفضل الأنظمة في حل 6 أو 7 مسائل من أصل 10. وقد حقق فريق من ETH Zurich تفوقاً في هذا التحدي، متجاوزاً جهات مرموقة مثل OpenAI وUCLA وPrinceton، حيث تمكن نظامه من حل 6 مسائل من أصل 10.
رغم هذه النجاحات، كشفت التجارب عن تحدٍ كبير يتمثل في أن بعض البراهين التي تنتجها النماذج قد تبدو مقنعة للغاية لكنها قد تحتوي على أخطاء تتطلب مراجعة دقيقة من رياضيين متخصصين، مما يبرز الدور الحيوي للإنسان في عملية التحقق.
الذكاء الاصطناعي وتحويل البراهين الكلاسيكية
دخل الذكاء الاصطناعي أيضاً مجال المسائل التي حُلت بشرياً، ليس لإعادة اكتشافها، بل لتحويلها إلى صيغ رسمية قابلة للتحقق آلياً. ومن الأمثلة على ذلك، مساعدة نظام تابع لشركة Anthropic في تحويل برهان مبرهنة فيرما الشهيرة إلى صيغة رسمية يمكن للحاسوب فحصها خطوة بخطوة، وهو توجه تقني يهدف إلى تعزيز دقة البراهين البشرية المعقدة.
عصر جديد من البحث الرياضي الرقمي
تؤكد الإحصائيات التحول الكبير في هذا المجال؛ حيث أظهرت دراسة لـ 32,944 بحثاً رياضياً في عام 2026 أن هناك آلاف الأبحاث التي استفادت من الذكاء الاصطناعي، مع وجود مئات المسائل المفتوحة التي ارتبطت باستخدامه، ووصف 71% من الباحثين بأنها حُلّت بالكامل.
ومع هذا التطور، يبرز سؤال جوهري حول قدرة البشر على فهم الرياضيات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن بعض البراهين أصبحت طويلة ومعقدة للغاية نتيجة ملايين الرسائل والمليارات من الرموز التي تتبادلها الأنظمة، مما يجعل المرحلة المقبلة تتمحور حول كيفية تحويل هذه النتائج الرقمية إلى معرفة رياضية مفهومة للبشر.


