كتب: صهيب شمس
يشهد سوق المكاتب العقارية تحولاً جذرياً في المفاهيم التقليدية لإدارة المساحات التجارية، حيث تتجه الأنظار نحو المكاتب الفاخرة (Premium Offices) التي بدأت في التفوق على غيرها من الفئات. ويعود هذا التوجه إلى إعادة صياغة الملاك لطريقة تقديم بيئات العمل، مع التركيز بشكل مكثف على تجربة المستأجر ومفهوم الرفاهية كعناصر أساسية لجذب الشركات والاستبقاء عليها.
وتشير رؤى كبار التنفيذيين في شركات رائدة مثل Charter Hall وGPT وDexus وIFM Investors إلى أن المكاتب عالية الجودة بدأت تبتعد عن كونها مجرد مساحات عمل جامدة، لتصبح منصات تركز على الخدمات والابتكار. حيث يضع المستأجرون اليوم ثقلاً أكبر على الموقع، والرفاهية، والمرافق المتاحة، وتجربة بيئة العمل الإجمالية.
تطور مفهوم المكاتب لتشبه الفنادق
في إطار هذا التحول، تصف فيونا دينيسون من شركة Charter Hall إدارة محافظ المكاتب بأنها تشبه إلى حد كبير إدارة الفنادق، مع فارق أن المباني تحتوي على مكاتب بدلاً من الأسرّة. وتوضح أن المكاتب الفاخرة تتنافس اليوم من خلال التجربة التي تقدمها بقدر ما تتنافس من خلال مساحة العمل نفسها.
هذا التغيير أدى إلى ارتفاع التكاليف والإيجارات، نظراً لإضافة الملاك لمرافق متنوعة تهدف لتعزيز الرفاهية. وتشمل هذه الإضافات استوديوهات لتمارين بيلاتيس، وملاعب لكرة السلة وكرة الـ "pickleball"، بالإضافة إلى مرافق متطورة لتبديل الملابس وحمامات الثلج. ورغم أن ليس كل مرفق يعد ضرورياً، إلا أن توقعات المستأجرين فيما يتعلق بالصحة والرفاهية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة.
المكاتب كخدمة واستراتيجيات الابتكار
من جانبه، يتبنى ماثيو براون، رئيس قطاع المكاتب في مجموعة GPT، نهجاً يضع التجربة في المقدمة، حيث تنظر الشركة إلى المكتب كخدمة وليس مجرد منتج سلعي. ويسعى المستأجرون إلى شعور موظفيهم بالارتباط بمجتمع المبنى، مما يضع مسؤولية أكبر على الملاك لتقديم تجربة منسقة.
ويعتبر دعم روتين العمل الصحي من الأولويات الجديدة، حيث ساعدت الابتكارات في مدن مثل لندن ونيويورك المباني المطورة على تحقيق نسب إشغال أعلى، وهو ما ينعكس إيجابياً على العوائد المستقبلية للملاك. وتؤكد هذه الاستراتيجية على ضرورة وجود حوار مستمر بين الملاك والمستأجرين لفهم احتياجات القوى العاملة المتغيرة.
حلول مبتكرة لتقليل التكاليف والهدر
وفي محاولة لتقليل التكاليف الرأسمالية والبيئية، تتبنى شركة Dexus نموذجاً مبتكراً يسمى "Forever Fitouts". يهدف هذا النموذج إلى تقليل تكاليف التجهيزات الداخلية التقليدية التي غالباً ما يتم إزالتها بعد انتهاء عقود الإيجار التي تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات.
ويشير آندي كولينز، المدير العام التنفيذي في Dexus، إلى أن المزيد من صفقات الإيجار في الأسواق الرئيسية خلال الـ 12 إلى 24 شهراً الماضية تضمنت مساحات مجهزة بدلاً من المساحات الفارغة. وتطمح الشركة إلى إنشاء تصميمات داخلية جاهزة للاستخدام يمكن تكييفها لمستأجر ثانٍ أو ثالث، مما يقلل من فترات التوقف بين العقود ويخفض الحوافز المطلوبة بمرور الوقت. وقد بدأت الشركة أولى تجاربها في 1 Bligh Street بالتعاون مع Woods Bagot وClean Energy Finance Corporation.
تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة العقارات
يرسم الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قد يتسم بانقسام أكبر في جودة المكاتب. فوفقاً لأماندا ستيل من IFM Investors، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر وفرصاً في آن واحد. فبينما تواجه الأصول من الفئتين B وC ضغوطاً نتيجة استبدال بعض الأدوار الإدارية بالذكاء الاصطناعي أو نقلها إلى الخارج، يُتوقع أن تستحوذ الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بفعالية على مساحات أكبر من الفئة الممتازة (Prime) والفئة (A) التي تتميز بمرافق قوية.
وتؤكد ستيل أن التفكير النقدي والإبداع لا يزالان يتطلبان تدخلاً بشرياً، مما يعزز استراتيجية العمل المتمحورة حول المساحات عالية الجودة بدلاً من جعل المكاتب غير ضرورية. ومع توجه الملاك لتقليل كثافة رأس المال عند تغيير المستأجرين، تظل القدرة التشغيلية مرتبطة بشكل وثيق بأداء الإيجار، حيث يتم توجيه المباني الممتازة للعمل التعاوني والإبداعي.



