كتب: أحمد عبد السلام
أصدرت دار الإفتاء المصرية، بالتعاون مع الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة. وتأتي هذه الوثيقة كإحدى أبرز المخرجات الرسمية للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي عُقد في يومي 2 و3 سبتمبر 2026، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.
وقد انعقد المؤتمر تحت عنوان التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية. وتقدم الوثيقة رؤية إفتائية شاملة تضع الأسرة في مركز الاهتمام، باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأولى والوحدة الأساسية لبناء المجتمع وضمان استقراره وهويته، مستندة في ذلك إلى منظومة القرآن الكريم والسنة النبوية.
منظومة وقائية لمواجهة التحولات الاجتماعية والتقنية
لا تقتصر وثيقة القاهرة على المعالجة التشريعية أو التعامل مع المشكلات بعد حدوثها، بل تتجاوز ذلك لتأسيس منظومة وقائية وإصلاحية متكاملة. وتهدف الوثيقة إلى تثبيت الأسس الإيمانية والقيمية، وتنظيم الحقوق والواجبات وفق مبادئ العدل والتوازن، مع تفعيل آليات الوساطة والدعم الاجتماعي.
وتعتمد الرؤية على مقاصد الشريعة في حفظ النسل وصيانة الكرامة الإنسانية، مع ضرورة الجمع بين ثبات الأصول الشرعية وفهم الواقع المعاصر. وتسعى الوثيقة لاستيعاب أثر النزعة الفردية المتصاعدة، وتغير منظومة القيم، وتراجع أنماط التواصل المباشر، بالإضافة إلى معالجة ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري الناتج عن الضغوط الاقتصادية مثل تكاليف الزواج والسكن والبطالة والديون.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وأثرهما على الأسرة
أولت الوثيقة اهتماماً خاصاً بالتحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، نظراً لتأثير المنصات الرقمية والخوارزميات في العلاقات الأسرية. وبينما توفر هذه التقنيات فرصاً في التعليم والإرشاد، فإنها تحمل مخاطر تتعلق بضعف الحوار المباشر، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز الإلكتروني، والتزييف العميق، والتفاعل العاطفي مع الآلات.
وتشدد الوثيقة على ضرورة بناء تربية رقمية واعية وحماية بيانات الأطفال، مع وضع ضوابط شرعية وأخلاقية للتطبيقات المرتبطة بالقرارات الأسرية الحساسة، مؤكدة على عدم الاستغناء عن الإشراف البشري المؤهل في القضايا التي تتطلب تقديراً شرعياً وإنسانياً دقيقاً.
حماية الطفل وتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية
وضعت الوثيقة مصلحة الطفل وسلامته في قلب منظومة الحماية، لضمان بيئة آمنة تلبي احتياجاته النفسية والتربوية. وتتطرق الوثيقة لمعالجة قضايا الحضانة، والرؤية، والنفقة، والكفالة، ووضع مسارات آمنة لمواجهة العنف الأسري والإدمان والابتزاز الإلكتروني.
كما تسعى الوثيقة لتوسيع مظلة الحماية لتشمل الفئات الأكثر احتياجاً، مثل الأيتام، والمكفولين، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والأرامل، والمطلقات، والأسر الفقيرة والمهاجرة، بالإضافة إلى الأطفال المتأثرين بالنزاعات، بما يعزز المسؤولية المجتمعية المشتركة.
رؤية فكرية وحقوقية ومسارات تنفيذية شاملة
في الجانب الفكري، تتبنى الوثيقة معالجة متوازنة لقضايا المرأة والأسرة والهوية، حيث تميز بين المطالب المشروعة المرتبطة بالكرامة والعدل، وبين التصورات التي قد تقوض البناء المؤسسي للأسرة. كما تدعو إلى اعتماد الدراسة العلمية عند التعامل مع الاتفاقيات الدولية، والتمييز بين نصوصها وتفسيراتها، واقتراح البدائل التشريعية الملائمة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تدعو الوثيقة إلى تفعيل أدوات الزكاة والوقف والتمويل لدعم الأسر التي تواجه أعباء المعيشة، وإنشاء مجالس استشارية أسرية تضم متخصصين في الإفتاء والقضاء والتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي لضمان التكامل المؤسسي.
وتختتم الوثيقة بطرح مسارات تنفيذية موجهة للحكومات والبرلمانات والجامعات، تشمل مراجعة تشريعات الأحوال الشخصية، وتوسيع برامج تأهيل المقبلين على الزواج، وتطوير المحتوى الإفتائي الرقمي، وإنشاء كراسي بحثية متخصصة في فقه الأسرة المعاصر، وإقامة شراكات بين العلوم الشرعية وعلوم الاجتماع وعلم النفس.



