كتب: صهيب شمس
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود ارتباط وثيق بين إصابة الأم بفقر الدم أو الأنيميا خلال فترة الحمل وبين حجم مخ الطفل عند الولادة. وأظهرت نتائج الفحوصات التي أجريت باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين وُلدوا لأمهات عانين من الأنيميا خلال فترة الحمل، سجلوا متوسط حجم مخ أقل بنحو 4% مقارنة بالأطفال الذين وُلدوا لأمهات لم يصبن بفقر الدم.
البحث الذي شارك فيه باحثون من كينجز كوليدج لندن وجامعة كيب تاون، ونُشر في دورية Brain Communications، اعتمد على متابعة مئات الأمهات وأطفالهن خلال السنوات الأولى من حياتهم. وأشار الباحثون إلى أن هذه النتائج تبرز الأهمية البالغة لاكتشاف حالات أنيميا الحمل وعلاجها في وقت مبكر، خاصة في ظل التسارع الكبير الذي يشهده نمو المخ خلال مرحلتي الحمل وما بعد الولادة.
تأثيرات الأنيميا على مناطق محددة في المخ
لم يتوقف تأثير فقر الدم على انخفاض الحجم الكلي للمخ فحسب، بل رصد الباحثون اختلافات في مناطق عصبية محددة وحيوية، من بينها الجسم الثفني، والنواة المذنبة، والبوتامين. وتلعب هذه المناطق أدواراً جوهرية في مجموعة من الوظائف العصبية الهامة للطفل.
وأوضحت النتائج أن هذه الاختلافات في بنية المخ قد تستمر خلال السنوات الأولى من عمر الطفل، مما يعزز ضرورة فهم تأثير الحالة الصحية للأم أثناء الحمل على تطور الجهاز العصبي للجنين. ومع ذلك، أكد الباحثون أن الدراسة رصدت علاقة إحصائية بين الأنيميا وانخفاض حجم المخ، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل طفل لأم مصابة سيعاني من مشكلة في النمو، كما أنها لا تثبت أن الأنيميا هي السبب المباشر الوحيد لهذا الانخفاض.
العلاقة بين نقص الأكسجين ونمو الجنين
تكمن المشكلة الأساسية في أن الأنيميا تؤدي إلى انخفاض قدرة الدم على حمل الأكسجين وتوزيعه. وفي مرحلة الحمل، يحتاج الجنين إلى إمداد مستمر ودائم بالأكسجين والعناصر الغذائية الضرورية لنمو أعضائه المختلفة، ويأتي مخ الجنين على رأس هذه الأعضاء التي تتطلب احتياجات دقيقة للنمو السليم.
ومن الضروري الإشارة إلى أن أنيميا الحمل قد تنتج عن أسباب متنوعة، ومن أبرزها نقص الحديد. لذا، يشدد المختصون على عدم افتراض أن جميع حالات فقر الدم تعود لنفس السبب، كما يحذرون من أن تناول مكملات الحديد دون تشخيص طبي دقيق قد لا يكون الحل المناسب لكل سيدة، حيث يجب تحديد السبب أولاً.
أهمية المتابعة الطبية الدورية للحامل
أظهرت نتائج الدراسة أن حالات الأنيميا التي تم رصدها لدى الأمهات لم تكن بالضرورة حالات شديدة، وهو ما يستوجب عدم تجاهل حالات فقر الدم البسيطة. وتبرز هذه الملحوظة أهمية المتابعة الدورية لصورة الدم خلال فترة الحمل، وضرورة مراقبة مستويات الهيموجلوبين والحديد والتغذية كجزء أساسي من الرعاية الصحية المتكاملة للحامل.
وفيما يتعلق بالتساؤلات حول القدرات الذهنية، فإن انخفاض متوسط حجم المخ في مجموعة من الأطفال لا يعني بالضرورة وجود انخفاض في مستوى الذكاء أو حدوث تأخر في التطور العصبي لكل طفل. وتظل الخطوة الأهم عند اكتشاف الأنيميا هي التوجه للطبيب لتحديد درجة الإصابة وسببها، والالتزام بالخطة العلاجية الموصوفة، سواء كانت تتطلب مكملات حديد أو علاجات لأسباب أخرى، مع تجنب تناول الجرعات العالية من تلقاء النفس لضمان سلامة الأم والجنين.


