كتب: كريم همام
مرت ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001، تلك اللحظة التي غيرت وجه العالم وأعادت صياغة سياسات الأمن والاستخبارات والخارجية في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. فبينما تظل مهمة الحكومات الأساسية هي حماية شعوبها، كشفت تلك الهجمات عن فشل ذريع في قدرة الولايات المتحدة على حماية مواطنيها، رغم توفر المعلومات الاستخباراتية التي لم يتم تجميعها في الوقت المناسب.
فشل استخباراتي وأخطاء في التقدير
لم تكن هجمات 11 سبتمبر مفاجئة بالكامل من الناحية المعلوماتية؛ فقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) على دراية بشبكة تنظيم القاعدة وبأسامة بن لادين قبل وقوع الهجمات، بل وأنشأت قوة مهام خاصة للقبض عليه. ومع ذلك، فإن ما حدث كان فشلاً في القدرة على التنبؤ والربط بين المؤشرات، وهو ما وصفه تقرير لجنة 11 سبتمبر بأنه فشل في الرؤية والسياسة والقدرات والإدارة.
وكان الخلل الأبرز يكمن في عدم قدرة وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) على تبادل المعلومات بشكل صحيح، وهو الدرس الذي حاولت الأجهزة الغربية تعلمه لاحقاً من خلال تعزيز التعاون بينها، مثل إنشاء مراكز العمليات المشتركة في بريطانيا وتأسيس مديرية الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة لضمان تدفق المعلومات بين 18 وكالة مختلفة.
تحديات جديدة وتحولات في التهديدات
رغم التحسينات في التعاون الاستخباراتي، مثل تحالف "العيون الخمس" الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، إلا أن الإخفاقات لم تنتهِ. فقد شهدت السنوات التالية أزمات استخباراتية كبرى، مثل غزو العراق عام 2003 الذي اعتمد على معلومات خاطئة بشأن أسلحة الدمار الشامل، مما أدى إلى فقدان كبير لمصداقية جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6).
كما واجهت الاستخبارات الداخلية البريطانية (MI5) تحديات هائلة في ترتيب الأولويات، حيث عجزت عن منع هجمات لندن في 7 يوليو 2005، وهجمات مانشستر في 2017. واليوم، لم يعد التهديد مقتصرًا على الجماعات غير الحكومية مثل القاعدة، بل برزت تهديدات من دول مثل روسيا وإيران والصين، مما يغير طبيعة الأمن القومي من مكافحة الإرهاب إلى مواجهة منافسين استراتيجيين.
صعود القوى الكبرى والدروس الضائعة
أحد أكبر الدروس التي يبدو أن الغرب لم يستوعبها تماماً هو صعود الصين وروسيا. فبينما كان التركيز ينصب على مكافحة الإرهاب في أفغانستان والعراق، استغلت الصين وروسيا الوقت لبرامج إعادة تسلح ضخمة، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية. ويشير الخبراء إلى أن الخطأ الغربي لم يكن فقط في التركيز على الإرهاب، بل في سوء فهم طبيعة صعود الصين، والاعتقاد الخاطئ بأن التكامل الاقتصادي سيؤدي بالضرورة إلى تقارب سياسي.
اليوم، لم يعد التحدي مقتصرًا على جمع المعلومات، بل في التفسير الاستراتيجي لها. فقدرة الصين لم تعد عسكرية فقط، بل تمتد لتشمل أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، والبنية التحتية للاتصالات. وفي عالم يتسم بالتعقيد، تظل الأسئلة الأخلاقية والاستراتيجية قائمة حول جدوى الحروب السابقة، وتظل الفجوة بين امتلاك المعلومات والقدرة على قراءتها هي التحدي الأكبر أمام أجهزة الأمن في المستقبل.



