كتبت: سلمي السقا
يواجه الاقتصاد الأمريكي حالة من التناقض في الإشارات التي يرسلها للمواطنين مؤخراً، حيث تظهر البيانات تبايناً ملحوظاً بين مؤشرات التوظيف وتكاليف المعيشة. فبينما أضاف أصحاب العمل 162 ألف وظيفة خلال شهر أغسطس، شهدت أسعار الجملة قفزة بنسبة 5.4% مقارنة بالعام السابق، مما خلق فجوة بين الأرقام الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للأسر.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن هناك أسباباً جوهرية تجعل إعادة بناء الثقة الاقتصادية أمراً صعباً. وأوضح أن الاختبار الحقيقي للأسر يكمن في قدرة رواتبهم على تغطية الاحتياجات الأساسية، مشيراً إلى أن تقارير الوظائف القوية، رغم كونها مطمئنة، لا تنجح في محو الإحباط الناجم عن ارتفاع أسعار المستلزمات اليومية.
تحديات التضخم والقدرة الشرائية
خلال حديثه في برنامج "The Forum" بنادي نيويورك الاقتصادي، قدم بيسنت رؤية تجمع بين التفاؤل والاعتراف بالصعوبات، حيث أشار إلى أن الأمريكيين بحاجة إلى الشعور الملموس بالتعافي الاقتصادي. ورفض بيسنت فكرة أن الأسر لا تقدر الأرقام الاقتصادية الإيجابية، مؤكداً أن الشعب الأمريكي تعرض لضغوط كبيرة نتيجة الارتفاع المتراكم في الأسعار وتأثير التضخم على الأجور المعدلة.
وأوضح أن التغير في مستويات الأسعار يعد أمراً يصعب خفضه بسهولة، لافتاً إلى أنه رغم انخفاض التضخم السنوي من 3.5% في يونيو إلى 3.4% في يوليو، إلا أن أسعار المستهلكين لا تزال في مسار صعودي وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل. ومع ذلك، لاحظ بيسنت وجود فجوة بين وصف الناس للاقتصاد وسلوكهم الفعلي، حيث لا يزال المستهلكون ينفقون، كما أن حالات التأخر في سداد بطاقات الائتمان لم تسجل تدهوراً، إذ ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.2% في يوليو.
استراتيجيات الدعم وحلول أزمة الإسكان
وتسعى الإدارة حالياً للعمل على إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة مع التركيز على تحسين نمو الأجور الحقيقية. وأشار بيسنت إلى أن التغييرات الضريبية تدعم العائلات العاملة، حيث استفادت 44% من الإقرارات الضريبية التي تلقت عوائد في ذلك العام من ميزات متعددة. كما توقع انخفاض أسعار البنزين مع هدوء الحرب في إيران، معتبراً أن تحسن الميزانيات المنزلية هو المفتاح لتعزيز الثقة.
وفيما يخص قطاع الإسكان، يرى بيسنت أن خفض أسعار الفائدة ليس حلاً وحيداً، نظراً لأن أصحاب المنازل الحاليين الذين يتمتعون برهون عقارية رخيصة يترددون في الانتقال، بينما يواجه المشترون تكاليف اقتراض مرتفعة. وأشار تقرير شركة ريدفين إلى أن الدفعات الشهرية للرهن العقاري وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 14 شهراً عند 2641 دولاراً، مع انخفاض المبيعات المعلقة بنسبة 2.1% سنوياً.
وشدد وزير الخزانة على ضرورة إيجاد حلول لزيادة المعروض من المساكن، مقترحاً التوسع في المنازل المصنعة والمسبقة الصنع لزيادة الكفاءة. كما دافع عن القيود المفروضة على المشترين المؤسسيين للعقارات، مشيراً إلى أن تأثيرهم في السوق قد يكون كبيراً حتى لو كانت حصتهم الوطنية تبدو صغيرة، ومنتقداً المزايا الضريبية التي يحصل عليها المستثمرون عند شراء المباني مقارنة بالأفراد الذين يشترون للسكن.
مستقبل الاستهلاك والاستثمار
يضع الوضع الاقتصادي الحالي المستهلكين في حيرة، حيث قد يستمر الإنفاق دون الشعور بالأمان المالي، مما قد يدعم مبيعات الشركات ولكنه لا يضمن بالضرورة زيادة في حجم الأرباح إذا استمرت الأسر في توجيه دخلها نحو الضروريات فقط. ويظل الاختبار الأكبر هو مدى قدرة الأجور على تجاوز معدلات التضخم بشكل مستمر، مما قد يوفر أساساً أقوى للتعافي الاقتصادي من خلال تعزيز القوة الشرائية الحقيقية.



