كتب: إسلام السقا
بعد انقطاع إعلامي دام لأكثر من ثلاثة عقود، خرجت الدكتورة روث بار، الاختصاصية في علم النفس والمستشارة الاستراتيجية، لتروي تفاصيل سنوات عملها في الدائرة المصغرة المحيطة برئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. بار، التي كانت جزءاً من بدايات صعوده السياسي، قدمت قراءة نفسية وسياسية لشخصيته وأسلوب عمله، مستندة إلى تجربتها المهنية وعلاقتها التي كُشف عنها عام 1993 في واقعة عُرفت باسم "قضية الشريط الساخن".
بدايات الصعود وعلاقة مثيرة للجدل
بدأت العلاقة المهنية بين بار ونتنياهو في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حيث عملت معه لأكثر من ثلاث سنوات، وأجرت أبحاثاً دقيقة حول صورته السياسية ومنافسيه داخل حزب الليكود. وخلال حديثها، أشارت بار إلى أن نتنياهو كان يتمتع منذ بداياته بإحساس عميق بالتفوق على الآخرين، وأدرك في وقت مبكر جداً الأهمية القصوى للحضور الإعلامي وتأثيره في توجيه الرأي العام.
وتوضح بار أن نتنياهو في تلك المرحلة لم يكن السياسي المتمرس الذي نراه اليوم، بل كان يركز مع مستشاريه على صياغة رسائله السياسية، وتحسين لغة جسده، وإتقان إدارة المقابلات الإعلامية، وذلك في وقت كان يسعى فيه لانتزاع قيادة الليكود بعد خسارة إسحاق شامير أمام إسحاق رابين في انتخابات عام 1992، ومواجهة منافسين بارزين مثل دافيد ليفي.
تهديد بالابتزاز واعتراف تاريخي
في خضم هذا الصعود، واجه نتنياهو أزمة شخصية وسياسية كبرى عندما تلقت زوجته سارة اتصالاً يفيد بوجود علاقة بينه وبين روث بار، مع تهديد صريح بنشر شريط يثبت هذه العلاقة ما لم ينسحب من السباق السياسي. وأمام هذا التهديد، اتخذ نتنياهو قراراً استباقياً في 14 يناير 1993، حيث توجه إلى القناة الأولى واعترف على الهواء مباشرة بإقامة علاقة خارج إطار الزواج، متهماً خصومه داخل حزب الليكود بمحاولة ابتزازه.
وعلى الرغم من أن الشريط الذي كان محور التهديد لم يظهر للعلن أبداً، إلا أن الاتصال كان كافياً لدفع نتنياهو للاعتراف. وتصف بار هذا التصرف بأنه كان نابعاً من الذعر والمتسرع، لكنه عكس في الوقت ذاته أسلوبه المعتاد في التعامل مع الأزمات عبر محاولة الاستحواذ على المبادرة وفرض الرواية الإعلامية بدلاً من ترك الآخرين يقودون الأحداث. كما ذكرت التقارير أن سارة نتنياهو أبعدت زوجها عن المنزل عقب الكشف عن العلاقة قبل أن يعود إليها لاحقاً.
وثائق سرية وآلية الهجوم السياسي
تحتفظ روث بار بأبحاث ووثائق تعود لسنوات عملها مع نتنياهو، تتناول صورته السياسية ومواطن قوته وضعفه. وتكشف هذه الوثائق كيف تم العمل على تعزيز صورته كـ"خبير شامل" عبر اعتماد رسائل حازمة وإظهار الإلمام بالقضايا، بالإضافة إلى تعزيز الكاريزما من خلال استخدام مفهوم "نحن" وإثارة المضامين العاطفية.
وتربط بار بين تلك البدايات وبين ما تصفه اليوم بـ"آلة السموم"، وهي آلية سياسية وإعلامية تعتمد على تحديد الخصم وتركيز الرسائل السلبية ضده لإضعاف صورته، مستشهدة بحملات استهدفت بيني غانتس. وتذكر بار أن نتنياهو بحث منذ زمن طويل عن شخص يمتلك قدرة لغوية لصياغة هجوم لفظي مدمر ضد منافسيه.
تحليل نفسي للقيادة والتأثير
تقسم بار عملية التأثير في الجمهور إلى أربع طبقات هي: الانطباع، والعلاقات، والحماية، والمشاعر. وترى أن قوة نتنياهو التاريخية تكمن في تقديم نفسه كقائد قوي قادر على توفير الحماية، بينما تكمن نقطة ضعفه في جانب "العلاقات" المرتبط بالمصداقة والتعاطف. وأضافت أن صورته تعرضت لضربة كبيرة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، مما قلل من قدرة الملفات الأمنية على تعزيز موقفه كما كان في السابق، ومع ذلك، يرى تحليلها أن بقاءه مرتبط بقدرته على إدارة جدول الأعمال والحفاظ على قاعدته السياسية.



