كتب: كريم همام
يرى الخبير المصرفي باهر عبدالعزيز أن عملية تطوير سوق التمويل العقاري في مصر لم تعد تقتصر على مجرد توفير التمويل اللازم أو العمل على خفض تكلفة الاقتراض. وأكد أن النهوض بهذا القطاع يتطلب بناء منظومة متكاملة ترتكز بشكل أساسي على الحوكمة، والشفافية، وجودة البيانات، بالإضافة إلى القدرة الفعالة على إدارة المخاطر.
وأوضح عبدالعزيز أن استدامة سوق التمويل العقاري وقدرته على جذب الاستثمارات والتمويلات المختلفة لا تعتمد فقط على المتغيرات التقليدية مثل أسعار الفائدة أو حجم السيولة المتاحة في السوق، بل ترتبط في المقام الأول بمدى قوة منظومة الحوكمة والشفافية المتبعة.
الحوكمة كركيزة أساسية لاستقرار السوق
وشدد الخبير المصرفي على أن الحوكمة في القطاعين العقاري والتمويلي لا يجب النظر إليها كمجرد مجموعة من القواعد والإجراءات الروتينية، بل هي منظومة شاملة تهدف إلى تقليل المخاطر ورفع كفاءة عمليات اتخاذ القرار. كما تساهم هذه المنظومة في حماية حقوق كافة الأطراف الفاعلة في السوق، بدءًا من العميل والمطور العقاري، وصولاً إلى الممول والمستثمر.
وأشار إلى أن التوسع الحقيقي في هذا القطاع يستلزم معالجة مجموعة من التحديات الجوهرية التي تتخطى مسألة أسعار الفائدة. وتأتي في مقدمة هذه التحديات ضرورة تحسين جودة البيانات، وضمان وضوح الملكية، ورفع كفاءة عمليات التقييم العقاري، وتسريع الإجراءات المتبعة، مع تعزيز آليات التكامل والربط الرقمي بين مختلف الجهات المعنية.
القدرة على السداد وإدارة المخاطر الائتمانية
وفي سياق متصل، لفت عبدالعزيز إلى مفهوم جوهري في هذا القطاع، حيث أشار إلى أن التمويل العقاري في حقيقته لا يمول وحدة سكنية أو عقارية فحسب، بل يمول قدرة العميل الفعلية على السداد. وهذا المفهوم يجعل من جودة البيانات، والتقييم الائتماني الدقيق، وإدارة المخاطر، عناصر لا غنى عنها في بناء سوق تمويل عقاري قوي ومتماسك.
وأضاف أن تعزيز مستويات الشفافية والحوكمة يؤدي بشكل مباشر إلى خفض مستوى المخاطر التي تواجه المؤسسات المالية، مما يفتح الباب أمام توسع السوق واستقطاب المزيد من التمويل. وأكد أن الحوكمة الرشيدة لا تشكل عائقاً أمام الاستثمار، بل على العكس، فهي تمنح المستثمرين والممولين الثقة اللازمة لاتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
التحول الرقمي ودور التكنولوجيا في التنمية
وعلى صعيد التكنولوجيا، لفت عبدالعزيز إلى الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه التحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير منظومة التمويل العقاري. ومن شأن هذه التقنيات تحسين عمليات تحليل البيانات، وتسريع وتيرة الإجراءات، ورفع كفاءة التقييم الائتماني، مما يقلل من الوقت والتكلفة المرتبطين بالحصول على التمويل.
وشدد الخبير المصرفي على ضرورة وضع العميل في قلب منظومة الحوكمة، من خلال ضمان وضوح شروط التمويل والتكاليف الفعلية والالتزامات المترتبة عليه، بما يضمن اتخاذ قرار مالي مدروس ويحافظ على استدامة العلاقة مع المؤسسة الممولة. كما أكد أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من اعتبار التمويل العقاري مجرد منتج مصرفي إلى التعامل معه كأداة فعالة للتنمية الاقتصادية، نظراً لتأثيره المباشر وغير المباشر على قطاعات البناء والتشييد، ومواد البناء، والخدمات، والتشغيل والاستثمار.
واختتم عبدالعزيز بالإشارة إلى أن المعادلة الأساسية التي يجب أن يرتكز عليها السوق تتمثل في بناء منظومة تتسم بالشفافية والانضباط والحوكمة، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين من التمويل العقاري مع الحفاظ الكامل على جودة الأصول والسيطرة على المخاطر.



