كتبت: سلمي السقا
تعتبر التخطيط المالي لمرحلة التقاعد من أهم التحديات التي تواجه الأفراد، حيث تبرز دائماً تساؤلات حول أفضل معدلات سحب الأموال من المحافظ الاستثمارية لضمان حياة مستقرة. على مدى العقود الثلاثة الماضية، ظلت قاعدة سحب 4% هي المعيار الذهبي والمستخدم عالمياً في التخطيط للتقاعد، إلا أن ضغوط الحياة المعاصرة دفعت البعض للنظر في بدائل أخرى، ومن أبرزها قاعدة سحب 5%.
بينما يسعى الكثير من المتقاعدين للحصول على دخل أكبر، يجد البعض أن نسبة 4% قد لا تغطي كافة احتياجاتهم المعيشية، مما يفتح الباب للنقاش حول جدوى رفع هذه النسبة إلى 5%، وهو ما يتطلب دراسة دقيقة للمخاطر والنتائج المالية طويلة الأمد.
الفرق في العوائد والأرقام المالية
عند النظر إلى الأرقام بشكل مباشر، يظهر الفرق بوضوح عند تطبيق هذه القواعد على محفظة استثمارية بقيمة 750,000 دولار. فباستخدام قاعدة الـ 4% التقليدية، يحصل المتقاعد على دخل سنوي يقدر بنحو 30,000 دولار. وفي المقابل، ترفع قاعدة الـ 5% هذا الدخل إلى 37,500 دولار سنوياً، مما يعني زيادة قدرها 7,500 دولار في العام الواحد.
بالنسبة للكثيرين، قد يبدو هذا الفارق المالي كبيراً وضرورياً للعيش بحياة مريحة، ولكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو ما هي التكلفة الحقيقية لهذا الفارق السنوي على المدى الطويل وما هي المخاطر المرتبطة به؟
تحليل نسب النجاح والمخاطر المحتملة
صُممت قاعدة الـ 4% بهدف رئيسي وهو ضمان استمرار المحفظة لمدة 30 عاماً بغض النظر عن تقلبات السوق، بما في ذلك سنوات الركود. وتظهر البيانات التاريخية أن هذه القاعدة تحقق نسبة نجاح تتجاوز 90% لمدة 30 عاماً مع المحافظ الاستثمارية المتوازنة، وهي نسبة تقترب من مستوى الأمان المطلوب.
أما في حالة قاعدة الـ 5%، فإن المشهد يختلف تماماً؛ حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة نجاح هذه القاعدة خلال 30 عاماً تنخفض إلى 71% فقط. وهذا يعني أن 3 من كل 10 متقاعدين يتبعون هذه القاعدة قد يواجهون خطر نفاد أموالهم قبل انتهاء المدة المخطط لها. وتزداد هذه المخاطر حدة إذا امتدت فترة التقاعد إلى 40 عاماً، مما يجعل الهامش المتاح للأمان ضيقاً جداً وغير مطمئن خاصة لمن هم في سن الـ 65.
تأثير تقلبات السوق وسلسلة العوائد
تتشارك القاعدتان في مخاطر ما يعرف بـ "مشكلة تسلسل العوائد"، ولكن قاعدة الـ 5% تعاني من ضعف أكبر في مواجهة تقلبات السوق. ففي حال حدوث انخفاض في السوق خلال السنوات الأولى من التقاعد، يتضرر المتقاعد الذي يتبع قاعدة الـ 5% بشكل أسرع وأقوى؛ لأنه يضطر لبيع عدد أكبر من الأسهم بأسعار منخفضة لتوفير نفس مستوى المعيشة.
عند بيع الأسهم أثناء تراجع السوق، تفقد هذه الأسهم قدرتها على المشاركة في أي تعافٍ مستقبلي للسوق، مما يجعل المحفظة تحاول التعافي من قاعدة مالية أصغر بينما تظل مطالبة بنفس عبء السحب المرتفع، وهو ما قد يؤدي إلى فجوة مالية يصعب إغلاقها لاحقاً.
متى يمكن استخدام قاعدة الـ 5% بأمان؟
رغم المخاطر، يمكن أن تكون استراتيجية الـ 5% مفيدة في حالات محددة جداً، حيث يُنصح باستخدامها كجسر مؤقت وليس كقاعدة دائمة. فمثلاً، يمكن اللجوء إليها لتوفير سيولة إضافية حتى يبدأ استلام مستحقات الضمان الاجتماعي أو المعاش التقاعدي. وبمجرد بدء تدفق هذه المصادر المضمونة، يصبح من الأذكى خفض معدل السحب إلى 4% لتخفيف الضغط عن المحفظة الاستثمارية.
كما يمكن أن تنجح هذه القاعدة مع الأفراد الذين يتمتعون بمرونة عالية في الإنفاق، أي القدرة على تقليص المصاريف عند حدوث انتكاسات في السوق. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً لأن تكاليف مثل الرعاية الصحية غالباً ما تستهلك أي هوامش مالية كان المتقاعد يعتقد أنها متاحة، مما يجعل الميزانيات أقل مرونة مما يظن الكثيرون في الواقع.



