كتبت: سلمي السقا
يسود اعتقاد خاطئ لدى قطاع من المرضى بأن وصول نسبة الكرياتينين في الدم إلى رقم محدد، مثل 5 مجم/ديسيلتر، يعني بالضرورة دخول المريض في مرحلة الغسيل الكلوي الحتمية. كما يخشى آخرون من أن إجراء الجلسة الأولى للغسيل يعني الالتزام بهذا العلاج مدى الحياة، إلا أن الواقع الطبي يثبت أن اتخاذ قرار بدء الغسيل الكلوي لا يعتمد على رقم الكرياتينين وحده، بل يخضع لتقييم شامل لمجموعة من العوامل الحيوية.
معايير اتخاذ قرار الغسيل الكلوي
أوضح الدكتور إيهاب إبراهيم، استشاري الباطنة في طب أسيوط، أن الكرياتينين يعد مؤشراً مهماً لوظائف الكلى، لكنه ليس العامل الوحيد لتحديد الاحتياج للغسيل. فالقرار الطبي يعتمد على كفاءة الكلى، والأعراض الإكلينيكية، ونسبة البوتاسيوم، وحالة السوائل في الجسم، بالإضافة إلى درجة حموضة الدم ووجود مضاعفات أخرى.
وعليه، فإن وصول الكرياتينين إلى مستوى 5 مجم/ديسيلتر لا يعني بالضرورة الحاجة لغسيل فوري إذا كانت حالة المريض مستقرة ولا توجد مضاعفات خطيرة. وفي المقابل، قد يحتاج مريض آخر للغسيل رغم أن مستوى الكرياتينين لديه أقل من ذلك، خاصة إذا عانى من ارتفاع شديد في البوتاسيوم، أو احتباس سوائل يسبب ضيقاً في التنفس، أو اضطراب حاد في حموضة الدم، أو أعراض ناتجة عن تراكم السموم.
أهمية معدل الترشيح الكبيبي eGFR
لا ينظر الأطباء إلى رقم الكرياتينين بشكل منفصل، بل يتم استخدامه ضمن تقييم معدل الترشيح الكبيبي (eGFR)، إلى جانب التحاليل الأخرى والحالة الإكلينيكية. وتتأثر مستويات الكرياتينين بعوامل متنوعة، حيث يمكن لشخصين امتلاك نفس المستوى من الكرياتينين ولكن بوظائف كلى مختلفة بناءً على العمر، والجنس، وكتلة العضلات.
وتشير إرشادات KDIGO إلى أن بدء العلاج التعويضي للكلى يعتمد على تقييم مجموعة من العوامل وليس مستوى الكرياتينين منفرداً. وبالرغم من أن بدء الغسيل يحدث غالباً عند انخفاض معدل الترشيح الكبيبي إلى نطاق يقارب 5-10 مل/دقيقة/1.73م²، إلا أن هذا ليس شرطاً رقمياً إلزاميًا لكل المرضى، فالتوقيت يختلف من حالة لأخرى بناءً على الأعراض.
الفرق بين الفشل الكلوي الحاد والمزمن
من الضروري التفريق بين الفشل الكلوي الحاد والفشل الكلوي المزمن المتقدم عند الحديث عن احتمالية إجراء جلسة غسيل واحدة فقط. ففي حالات الفشل الكلوي الحاد، قد تتراجع وظائف الكلى فجأة نتيجة الجفاف الشديد، أو انخفاض ضغط الدم، أو عدوى شديدة، أو تأثير بعض الأدوية. وفي هذه الحالات، قد يحتاج المريض لجلسة واحدة أو عدة جلسات لمساعدة الكلى على إزالة السموم والسوائل، ثم تستعيد الكلى وظائفها ويتوقف الغسيل.
أما في حالات الفشل الكلوي المزمن المتقدم، حيث تكون الكلى غير قادرة على القيام بوظائفها بشكل دائم، فقد يصبح الغسيل علاجاً منتظماً ومستمراً، ما لم يتم اللجوء لخيارات أخرى مثل زراعة الكلى. وهذا يعني أن أول جلسة غسيل لا تعني بالضرورة أن المريض سيستمر عليها مدى الحياة إذا كان السبب إصابة حادة قابلة للتحسن.
متى يصبح الغسيل ضرورة طبية ملحة؟
يصبح الغسيل الكلوي ضرورياً عندما تعجز الكلى عن التخلص من الفضلات والسوائل أو الحفاظ على توازن الأملاح والحموضة. ومن أبرز الحالات التي تستدعي التدخل الطبي: الارتفاع الخطير في مستوى البوتاسيوم الذي لا يستجيب للعلاج، واحتباس السوائل الشديد الذي قد يؤدي لتجمعها في الرئتين، واضطراب حموضة الدم الشديد، وظهور أعراض تراكم السموم مثل الغثيان والقيء المستمر أو اضطراب الوعي.


