كتبت: بسنت الفرماوي
شهدت العلاقة بين جماعة الإخوان والدولة المصرية تحولات دراماتيكية منذ ظهور الجماعة في عام 1928، حيث تراوحت هذه العلاقة بين فترات من التعايش السياسي ومراحل أخرى من التوتر والملاحقة. وبالنظر إلى المسار التاريخي، تبرز ثلاث محطات رئيسية تجاوز فيها الخلاف حدود المناورة السياسية، لتصل إلى قرارات رسمية حاسمة استهدفت إنهاء وجود الجماعة في المجال العام، وذلك نتيجة وقوع أعمال عنف أو اغتيالات أو أنشطة سرية اصطدمت بمؤسسات الدولة.
محطة 1948 وتصاعد التنظيم السري
مثلت نهاية الأربعينيات أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة المصرية على احتواء نشاط الجماعة، خاصة مع تزايد نفوذ ما عُرف بـ «النظام الخاص»، وهو الجناح المسلح للجماعة. ومع تصاعد الاتهامات المتعلقة بحيازة الأسلحة والمتفجرات والضلوع في عمليات اغتيال سياسية، اتخذت حكومة محمود فهمي النقراشي باشا قراراً في 8 ديسمبر 1948 بحل الجماعة وإغلاق مقارها والتحفظ على ممتلكاتها.
ولم يتوقف التصادم عند هذا الحد، فبعد أقل من شهر من قرار الحل، قُتل النقراشي باشا داخل وزارة الداخلية على يد عبد المجيد أحمد حسن، وهو عضو في الجماعة، مما شكل نقطة فاصلة في العلاقة بين الطرفين. ورغم محاولة حسن البنا التبرؤ من المنفذ عبر بيانه الشهير، إلا أن الأحداث لم تهدأ، حيث انتهت باغتيال البنا نفسه في فبراير 1949 على يد التنظيم الخاص، مما دفع الجماعة للعمل في الخفاء لسنوات طويلة.
صراع السلطة في يوليو 1952
مع قيام ثورة يوليو وسقوط النظام الملكي، دخلت الجماعة في مواجهة مفتوحة مع السلطة الجديدة التي كانت تسعى لرسم شكل مختلف للدولة. وفي يناير 1954، صدر قرار جديد بحل الجماعة، لكن المواجهة بلغت ذروتها في 26 أكتوبر 1954، حين تعرض الرئيس جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال في ميدان المنشية بالإسكندرية عبر ثماني رصاصات.
وعلى إثر ذلك، تم تأكيد حل الجماعة وحظر نشاطها في 29 أكتوبر 1954. وتبع ذلك بدء محاكمات قيادات الجماعة أمام «محكمة الشعب»، والتي انتهت بإعدام ستة من أبرز القادة، بمن فيهم عبد القادر عودة ومحمد فرغلي، بينما صدر حكم بالسجن المؤبد على المرشد العام حسن الهضيبي، ليدخل التنظيم بعدها مرحلة العمل السري لسنوات عديدة.
من العودة للمشهد إلى قرار الحل النهائي
عادت الجماعة للظهور العلني الواسع في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011، وصولاً إلى تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، إلا أن هذه التجربة لم تدم طويلاً. فبعد أحداث 30 يونيو 2013 وعزل مرسي، شهدت البلاد اضطرابات أمنية وأعمال عنف استهدفت منشآت الدولة، مما أدى في 23 سبتمبر 2013 إلى صدور حكم من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بحل جمعية الإخوان وحظر أنشطتها والتحفظ على أموالها ومقارها.
استند هذا الحكم إلى اتهامات باستخدام بعض المقار لتخزين الأسلحة والذخائر والمشاركة في أعمال عنف وممارسة نشاط سياسي مخالف للقوانين. وتلا ذلك إجراءات تنفيذية شملت شطب الجمعية من سجلات وزارة التضامن الاجتماعي في أكتوبر 2013، وإعلان مجلس الوزراء اعتبار الجماعة تنظيماً إرهابياً في ديسمبر من العام ذاته. وفي أغسطس 2014، صدر حكم نهائي بحل حزب الحرية والعدالة وتصفية أمواله، لينهي بذلك المسار السياسي الرسمي للجماعة.
نتائج ثابتة عبر ثلاثة عهود
رغم اختلاف الأنظمة السياسية من الملكية إلى ثورة يوليو ثم مرحلة ما بعد 30 يونيو، إلا أن القرارات الصادرة في الأعوام 1948 و1954 و2013 اتسمت بنتيجة واحدة، وهي إخراج الجماعة من الإطار القانوني والسياسي. وتعتبر هذه المحطات علامات فارقة في تاريخ الجماعة، حيث جاءت كل منها عقب تصاعد الصدام مع الدولة إلى مستويات هددت الأمن والاستقرار أو خالفت القوانين المنظمة.



