كتبت: فاطمة يونس
تتحول قرية سقارة مع اقتراب موسم حصاد التمور إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث يدخل إيقاع الحياة في القرية نمطاً مختلفاً يملؤه النشاط والحركة. وتتحرك العربات المحملة بالمحصول ذهاباً وإياباً بين الحقول، بينما تتعالى أصوات العمال وسط أشجار النخيل التي تتدلى منها عناقيد التمر، في مشهد يجسد تلاحم الأجيال وتحدي المخاطر من أجل لقمة العيش.
رحلة النخلة من التقليم إلى الحصاد
تبدأ حكاية المحصول قبل شهور طويلة من موعد الجمع؛ فمنذ شهر ديسمبر الماضي تبدأ عمليات تقليم النخيل وتجهيزه، تليها مرحلة الطرح في شهري فبراير ومارس، حيث يتم التلقيح وربط العراجين. وتستمر أعمال الخدمة والمتابعة، بما في ذلك رش النخيل مرتين لمواجهة ذبابة الفاكهة والحفاظ على الثمار من التسوس، وتستمر هذه الجهود حتى منتصف أغسطس.
ويبدأ موسم الحصاد الفعلي في 15 أغسطس، وتتفاوت مدته بناءً على الظروف الجوية؛ ففي حال ارتفاع درجات الحرارة قد ينتهي الجمع خلال شهر واحد، بينما قد يمتد الموسم إلى 35 أو 40 يوماً في حال ارتفاع نسب الرطوبة.
منظومة عمل متكاملة وتنوع في المحاصيل
يتحول العمل في الحقول إلى منظومة عمل دقيقة تتطلب عمالة كثيفة؛ حيث يتطلب كل قفص تمور تعاون مجموعة من العمال تتوزع مهامهم بين الصعود لقمم النخيل، والجمع، والفرز، والتعبئة. ويشير المزارعون إلى أن العمل يعتمد بشكل أساسي على أشعة الشمس التي تساهم في نضج الثمار.
وتتعدد أنواع التمور في سقارة ومركز البدرشين لتشمل خمسة أنواع أساسية، يأتي في مقدمتها نوع "الحياني" الذي يعد الأجود والأغلى سعراً، يليه الزغلول والسماني وعيشة، بالإضافة إلى نوعي الأمهات والسيوي. ويتميز نوع "السيوي" بإمكانية تصنيعه لاحقاً ليصبح عجوة تدخل في صناعة الحلويات والمخبوزات.
مخاطر المهنة وتوارث الأجيال
تعتبر مهنة "طلوع النخل" من المهن الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، حيث يضطر العمال للصعود إلى ارتفاعات تتراوح بين 10 إلى 12 متراً، واستخدام أدوات خاصة مثل الحزام والطبق والشرشرة لضمان الأمان والوصول إلى الثمار. ورغم هذه المخاطر، يرى العاملون أنها مهنة مباركة توفر الرزق الحلال وتساعد في بناء الأسر وتأمين مستقبل الأبناء.
وتنتقل هذه المهنة عبر الأجيال كإرث عائلي؛ فكثير من الشباب تعلموا أصول الصعود والتعامل مع النخيل من آبائهم، محولين هذه الخبرة من مجرد مساعدة للآباء إلى مصدر دخل أساسي ومستقر. فالموسم لا يمثل فقط دخلاً للمزارعين، بل هو عصب الحياة للعمال الموسميين الذين يعتمدون على يومياتهم لتغطية احتياجاتهم المعيشية وسداد ديونهم.
من الحقول إلى الأسواق المحلية
بمجرد الانتهاء من عملية الجمع، تبدأ مرحلة الفرز والتعبئة لنقل المحصول إلى مختلف المحافظات. ولا يقتصر توزيع تمور سقارة على النطاق المحلي، بل تمتد رحلتها لتصل إلى أسواق المنصورة، والمنوفية، والإسكندرية، والقليوبية، مما يجعل هذا الموسم بمثابة عيد اقتصادي لقرية بأكملها، يستفيد منه صاحب الأرض، والعامل، والناقل، والتاجر.



