كتبت: فاطمة يونس
تمثل منظومة التعليم في مصر أحد الركائز الأساسية التي وضعتها الدولة ضمن أولوياتها القصوى منذ عام 2014، حيث انطلق مشروع متكامل يهدف إلى بناء الإنسان وتطوير مخرجات العملية التعليمية. ولم يقتصر هذا التطوير على تغيير الكتب الدراسية فحسب، بل امتد ليشمل كافة عناصر المنظومة، بدءاً من المعلم وصولاً إلى الطالب وبيئة الفصل الدراسي، تماشياً مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.
مواجهة عجز المعلمين وتحقيق الاستقرار المدرسي
شكل ملف عجز المعلمين أحد أبرز التحديات التي واجهت المدارس لسنوات طويلة، ولأنه الركن الأساسي في أي عملية تطوير، اتجهت الدولة نحو اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان الاستقرار والانضباط. وفي هذا السياق، صدرت توجيهات بتعيين 150 ألف معلم لتلبية الاحتياجات المدرسية المتزايدة.
كما شملت الإجراءات تعديل قانون التعليم للسماح للمعلمين الذين يحل تاريخ معاشهم في 31 أغسطس باستكمال العام الدراسي الذي يليه، وذلك لمنع حدوث فراغ مفاجئ في المدارس. وبالتوازي مع ذلك، تم توفير الاعتمادات المالية للتعاقد بالحصة، مع رفع مقابل الحصة من 20 جنيهاً إلى 50 جنيهاً بالتنسيق مع وزارة المالية، مما يضمن سد الفجوات في التخصصات المختلفة.
ثورة نظام البكالوريا المصرية وتعدد الفرص
شهدت مرحلة الثانوية العامة تحولاً جوهرياً من نموذج "الفرصة الواحدة" الذي كان يفرض ضغوطاً نفسية هائلة على الطلاب والأسر، إلى نموذج البكالوريا المصرية. يمنح هذا النظام الجديد الطلاب 4 فرص امتحانية خلال عامين دراسيين، حيث يتم احتساب الدرجات خلال الصفين الثاني والثالث الثانوي لدخول الجامعة.
وتهدف هذه الهيكلة الجديدة إلى تخفيف الأعباء الدراسية عبر تقليل عدد المواد الأساسية من 11 مادة إلى 7 مواد فقط، مما يتيح للطالب التركيز على المسارات التعليمية التي تتناسب مع ميوله وتخصصه المستقبلي، بعيداً عن ضغط الامتحان النهائي الواحد.
تطوير المناهج ونظام Education 2.0
في مواجهة التطور التكنولوجي العالمي، أطلقت الدولة نظام التعليم الجديد Education 2.0 منذ عام 2017، مستهدفة بناء مناهج تعتمد على التفكير وحل المشكلات بدلاً من الحفظ. وخلال العامين الماضيين، تم تطوير 94 منهجاً للتعليم العام، مع استهداف تطوير 160 منهجاً إضافياً خلال العام الدراسي 2026/2027، لتشمل مواد اللغة العربية، والإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، والدراسات الاجتماعية.
وقد تضمن التطوير تعاوناً دولياً متخصصاً، بما في ذلك العمل مع الجانب الياباني لتطوير مناهج العلوم للمرحلة الابتدائية، لضمان تقليص الفجوة بين ما يدرسه الطالب والمهارات المطلوبة في العالم الخارجي.
المدارس اليابانية وتكنولوجيا التعليم الفني
توسعت الدولة في تقديم نماذج تعليمية حديثة، أبرزها المدارس المصرية اليابانية التي تركز على بناء شخصية الطالب وقيمه مثل الانضباط والعمل الجماعي. وقد وصل عدد هذه المدارس إلى 101 مدرسة في العام الدراسي 2026/2027، مع خطط للتوسع لتصل إلى 500 مدرسة مستقبلاً.
وعلى صعيد التعليم الفني، شهدت مدارس التكنولوجيا التطبيقية طفرة نوعية، حيث ارتفع عددها من 62 مدرسة إلى 225 مدرسة، لتتجاوز المستهدف السابق وتستهدف الوصول إلى 600 مدرسة مستقبلاً. ويهدف هذا التوسع إلى إعداد خريجين مجهزين بمهارات الرقمنة والذكاء الاصطناعي بما يخدم احتياجات سوق العمل الحديث.
تقليل الكثافة الطلابية كشرط للنجاح
يعد ملف تقليل الكثافات الطلابية حجر الزاوية في نجاح كافة الإصلاحات الأخرى؛ فالفصل المزدحم يعيق التواصل بين المعلم والطالب. وقد نجحت الدولة في خفض الكثافات في بعض المناطق من 120 طالباً في الفصل الواحد إلى نحو 50 طالباً فقط.
إن هذا التغيير يضمن توفير بيئة تعليمية تسمح بتطبيق أساليب التدريس الحديثة والتعلم النشط، ويمنح المعلم القدرة على متابعة المستوى الدراسي لكل طالب بدقة، مما يحول الفصل الدراسي من مجرد مكان للتلقين إلى بيئة تفاعلية متطورة.



