مقالات

أحمد نجم: من يصنع وعي المصريين في عصر الخوارزميات؟

أحمد نجم: من يصنع وعي المصريين في عصر الخوارزميات؟

كتب: كريم همام

تناول الكاتب الصحفي أحمد نجم في مقاله أزمة صناعة الوعي في المجتمع المصري، مستعرضًا التحولات التاريخية التي مرت بها أدوات تشكيل الوعي من عصر الراوي الشعبي إلى عصر المذيع الرسمي، وصولًا إلى عصر الخوارزميات وصناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.

من الراوي إلى المذيع: تحولات صناعة الوعي

استهل نجم مقاله بالإشارة إلى جملة وردت في كتاب "ناس وتاريخ" للأستاذ الدكتور عاطف جودة سليمان، أستاذ الكيمياء الحيوية الطبية بجامعة الزقازيق، تقول: "المصري لم يكن يقرأ التاريخ، بل كان يسمعه". وأوضح أن الوعي في الماضي كان يصنعه الراوي في الموالد الشعبية مثل مولد السيد البدوي بطنطا ومولد عبد الرحيم القناوي بقنا، حيث كان الراوي يحكي السيرة الهلالية وأبطالها مثل أبو زيد الهلالي ودياب بن غانم والجازية الهلالية، مستخلصًا منها دروسًا في السياسة والصبر والثورة.

ووصف الكاتب العلاقة بين الراوي والجمهور بأنها عقد اجتماعي يقوم على الصدق، فإذا كذب الراوي أو حرض القصة ليرضي العمدة، كان الناس يصححون له أو يطردونه. واستشهد بدور الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في توثيق رواة الصعيد مثل جابر أبو حسين، كما أشار إلى دور الأسرة كمصدر أول للوعي عبر الجد والجدة والأب والأم.

مع انتقال الوعي إلى القاهرة، حل المذيع محل الراوي، وبرزت أصوات مثل أحمد سعيد في إذاعة "صوت العرب"، وجمال الشريف، ومقالات محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين، وأصبح الوعي مركزيًا يصنع في مباني الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو والأهرام بشارع الجلاء، وتغيرت أماكن صناعة الوعي من المولد إلى مقهى جروبي الذي كان بمثابة "فيسبوك" ذلك العصر، حيث كانت دائرة ضيقة من 10 إلى 20 شخصًا تصنع وعي 20 مليون مصري، بجانب المؤسسات الدينية والتعليمية ودور الشيخ الشعراوي في الثمانينيات.

عصر الخوارزميات: السرعة تقتل الحقيقة

انتقل المقال إلى الواقع الحالي، حيث مات "المذيع الصادق" وحل محله "بلوجرز ومشاهير يظهرون بملابس نسائية أو شاب يشرح التاريخ في 60 ثانية وهو يرقص". وقارن بين 3 رواة في الصعيد، و3 مذيعين في ماسبيرو، و30 مليون صانع محتوى على تيك توك.

ضرب الكاتب أمثلة على تشويه التاريخ: قصة مقتل كليب والزير سالم التي كانت تُحكى في 50 ليلة أصبحت فيديو مدته 45 ثانية بمعلومات خاطئة تحقق 4 ملايين مشاهدة، وشخصية أبو زيد الهلالي رمز العدالة الاجتماعية تحولت إلى "ميم" ساخر عن فواتير الكهرباء. وفي السياسة، فهم معاهدة كامب ديفيد كان يحتاج 3 كتب، أما اليوم فيختصرها بلوجر في 30 ثانية بجهل تام.

حدد نجم المشكلة في "القاعدة التي تحكم" صانع المحتوى: الراوي القديم كان تحكمه قاعدة أخلاقية، والمذيع القديم قاعدة وطنية، أما البلوجر اليوم فتحكمه "قاعدة الخوارزمية الهزلية" التي تريد الانتباه لا الحقيقة، والصراخ لا العمق، والترند لا التاريخ. والناجح هو الأكثر إثارة للغضب أو الضحك أو البكاء في 30 ثانية.

مخاطر الوعي العاطفي وتفتيت الهوية

رصد المقال عدة أخطار لصناع الوعي الجدد: السرعة التي تقتل الحقيقة وتنتج معلومة مختصرة مبتورة غالبًا خاطئة، وغياب المرجعية والمحاسبة (الراوي كان يوقفه كبار البلد، والصحفي كان يحاسبه رئيس التحرير أو المجلس الأعلى للصحافة، أما البلوجر فلا حسيب عليه).

أشار إلى أن الوعي أصبح عاطفيًا لا عقلانيًا، والخوارزمية تحب من يبكي أو يضحك أو يغضب لا من يفهم، مما يؤدي لتفتيت الهوية المشتركة: كل المصريين كانوا يسمعون نفس السيرة الهلالية بمرجعية واحدة، أما الآن فكل واحد لديه تيك توك مختلف يرى التاريخ فرعونيًا فقط أو إسلاميًا فقط أو عسكريًا فقط، فصار هناك حكايات تفرق لا تجمع.

حذر من "بيع الوهم كأنه وعي" حيث يروج بلوجرز للاستثمارات الوهمية أو تنبؤات كاذبة بنهاية العالم، ومن خطورة أن يبدو التافه عالمًا والعالم مملًا، فيتعلم البعض التاريخ من الممثل لا من الباحث. ونبه إلى دور المعلم الذي يسب الطلاب بألفاظ قذرة بدلًا من غرس القيم النبيلة، متسائلًا: "كيف يستقيم وعي وسلوك هؤلاء الطلاب؟".

الحل: راوٍ جديد بأدوات العصر

خلص الكاتب إلى أن الحل ليس في لعن تيك توك أو منعه، بل في استخدامه بالطريقة الصحيحة، مستشهدًا بتشبيه الزوجة والسكين. ودعا إلى "راوٍ جديد يلبس تيشرت بدلاً من الجلباب، ويحمل موبايل بدلاً من الربابة، لكنه يحمل نفس الأمانة القديمة"، شاب مثقف يعرف رمزية أبو زيد الهلالي ويستطيع حكيها في دقيقة واحدة بصدق تنافس فيديو الرقص المبتذل.

اختتم بالتأكيد على الحاجة لتحسين صناعة مشروع الوعي، وعدم كتابة تاريخ أكاديمي جاف، بل إعادة الحكاء والحكاية للناس، وجعل جروبي والهلالية والأبنودي مفهومين لجيل تيك توك، وبث الأخلاق التربوية والتقاليد الاجتماعية الحميدة، مع العودة للأسرة حيث الجد الحكاء والأب الراوي والأم الصديقة، لأن "التاريخ لن يسامحنا لو فسدت عقول ووعي شبابنا".

شارك الخبر: